السودان.. متاهات استمرار الصراع

0

مع اقتراب الصراع في السودان من إكمال شهره السادس، تستمر تداعيات هذا الصراع في التفاقم على كافة مناحي الحياة، لتضع السودان بشعبه ودولته وكل مقدراته في مفترق طرق. وفي ظل استمرار آلة الحرب، تنضم أقاليم وبلدات جديدة للصراع، لتصبح ساحة للمعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولتزيد من رقعة الحرب والمتضررين بها.

تتصاعد الاتهامات المتبادلة بين طرفي الصراع؛ حيث يسعى كل طرف إلى كسب التأييد الشعبي والدعم الخارجي من دون اهتمام بطرح مبادرات لإنهاء الحرب ووقف إطلاق النار الذي يحصد أرواح السودانيين، ويضاعف من أزماتهم، في الوقت الذي يبدو فيه أن القوى الخارجية أصبحت عاجزة أو غير راغبة في التدخل للوصول إلى تسوية لهذا الصراع، ومنع انزلاق السودان في هاوية لن يتحمل السودان وحده نتائجها، ولكن آثارها الانشطارية ستصل إلى محيطه الإقليمي في شرق إفريقيا والقارة الإفريقية.

امتداد الصراع

فقد استمرت المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع خلال الأيام الأخيرة في العاصمة، وخاصة في مدينة أم درمان، وشهدت منطقتا المربعات والفتيحاب جنوب مدينة أم درمان، اشتباكات عنيفة.

أما إقليم دارفور، فقد كشف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في 12 سبتمبر/ أيلول 2023، أن الهجمات ذات الدوافع العرقية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في السودان، أدت إلى مقتل المئات في ولاية غرب دارفور.

حيث لا ترتبط المواجهات المسلحة في الإقليم بالصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع فقط؛ بل يشهد الإقليم صراعات قبلية وعرقية، وأدت المعارك بين قبيلتي السلامات والبني هلبة بولاية جنوب دارفور إلى مقتل أكثر من 70 شخصاً في 28 سبتمبر/ أيلول الماضي.

كما امتد الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع خلال الأيام الأخيرة، إلى أجزاء متفرقة في البلاد؛ حيث شنت قوات الدعم السريع في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، هجوماً على بلدة (ود عشانا) بولاية شمال كردفان، ما أسفر عن قتل وجرح العشرات من مواطني البلدة، ونزوح سكانها إلى القرى المجاورة، ونفى الجيش تمكن قوات الدعم السريع من السيطرة على البلدة.

اتهامات مرعبة

مع افتقاد طرفي الصراع في السودان لتصورات واقعية لإنهاء الحرب، باتت التصريحات التي يدلي بها قائد الجيش عبدالفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، تمثل أحد الأسلحة الخطرة التي يمكن أن تدفع قوى داخلية وخارجية لدعم طرف أو آخر في هذا الصراع، وبما يحمل آثاراً وخيمة على مستقبل الاستقرار في السودان. فمع تصاعد الاتهامات الموجهة لقوات الدعم السريع والتي تؤكد ضلوعها في العديد من الانتهاكات وخطف النساء في العاصمة وإقليم دارفور، وإعلان قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان في تصريحات أخيرة له في زيارته للفرقة (19) في الولاية الشمالية في 2 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، أن الجيش يحارب مرتزقة استعانت بهم قوات الدعم السريع.

في المقابل، ظهرت اتهامات خطرة تشير إلى مشاركة فلول النظام السابق وأعضاء في الحركة الإسلامية السودانية في القتال، ما أثار الكثير من القلق باستغلالهم للأوضاع المتدهورة في البلاد للعودة إلى المشهد السياسي أو لتوريط السودان مرة أخرى في قضايا الإرهاب وإيواء العناصر الإرهابية؛ حيث انضم العديد من الشباب إلى الجيش عقب النداء الذي وجهه البرهان بعد شهر من اندلاع الصراع، للتطوع لمواجهة قوات الدعم السريع؛ حيث قدر البعض نسبة المشاركين في الحرب من الإسلاميين بما يعادل 30% من الشباب الذين تطوعوا.

انتشار الأمراض الوبائية

على الجانب الآخر، لا تزال الأزمة في السودان تطرح كل يوم أبعاداً جديدة من الكُلفة الإنسانية للصراع. ففضلاً عمّا أسفرت عنه المعارك من نزوح أكثر من ثلاثة ملايين من السكان من مناطقهم، وقتل نحو 7500 شخص بينهم 435 طفلاً على الأقل، مع توقع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن يصل الفارون من السودان إلى 1.8 مليون مع نهاية عام 2023، وإعلان مسؤول الصحة العامة في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين آلن مينا، في 19 سبتمبر/ أيلول، وفاة العشرات من الأطفال بمخيمات للاجئين في السودان؛ حيث توفي أكثر من 1200 طفل دون سن الخامسة في تسعة مخيمات في الفترة بين 15 مايو/ أيار و14 سبتمبر/ أيلول 2023. ويعود ذلك إلى سوء التغذية الحادة وتفشي مرض الحصبة. وأعلنت وزارة الصحة السودانية تفشي وباء الكوليرا وحمى الضنك، كما نشرت منظمة الصحة العالمية فرقاً للاستجابة السريعة بالمناطق المتضررة من تفشي وباء الكوليرا، مع خروج 70 % من المستشفيات وخاصة في العاصمة عن العمل ضمن النظام الصحي، وصعوبات دفن الموتى والقتلى في الصراع، ودخول البلاد في موسم الأمطار الغزيرة والفيضانات، وانتشرت الأمراض، كما زادت معاناة المصابين بالأمراض المزمنة والخطرة.

وأخيراً، يظل السودان يدور في حلقة مفرغة من تداعيات الصراع؛ حيث تتجه الدولة والشعب السوداني إلى سيناريوهات غير محمودة العواقب، مع استمرار آلة الحرب التي لا تحصد الأرواح فقط؛ بل تمحو كفاح الشعب السوداني لعقود طويلة لبناء دولته. ويظل إصرار طرفي الصراع على الحسم العسكري كخيار لا بديل عنه، يزيد من تعقيد المشهد السوداني، مع تراجع أو عجز واضح عن الاهتمام الإقليمي والدولي بالأزمة في السودان؛ بل وتصاعد لاتجاه حصر هذه الأزمة في الأبعاد الإنسانية فقط. وربما تنتظر بعض القوى الخارجية حسم الصراع لأحد الطرفين، لتبدأ في الحوار معه وبناء العلاقات؛ لحماية مصالحها المختلفة، إلا أن الصمت الخارجي عن محاولة تسوية الأزمة، قد يدفع السودان نحو مستقبل مجهول، قد يصل إلى الحرب الأهلية، ويطرح خيار التقسيم أو التدخل الخارجي الذي يسعى إلى حصاد الحرب، وهذا يخالف ما تمناه الشعب السوداني الذي حاول الخروج من دائرة الاستبداد عبر ثورة مجيدة ضحى بأرواح أبنائه لإنجاحها والوصول إلى حكم ديمقراطي مدني.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com