تواصل لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني توجيه الدعوات للأحزاب والتحالفات والقوى السياسية والمكونات المجتمعية، مما يدفع الحوار إلى اختبار جدي حول قدرة السودانيين على صياغة رؤيتهم المستقبلية للدولة بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، بعيداً عن الحلول الخارجية. ويتساءل المراقبون: هل سيستطيع السودانيون تجاوز الهيمنة السياسية المزعومة لبعض الكتل التي تدعي تمثيل الشارع، وتفرض شروطًا للحوار تحت تأثير القوى الخارجية؟
اللجنة أكدت أنها ستدعو جميع القوى السياسية، حتى تلك الرافضة للحوار، تمهيدًا للمشاورات التي تسبق المؤتمر. وحددت المبادئ المعلنة للحوار في أربعة محاور؛ وحدة السودان، الحكم اللامركزي، الهوية السودانية الجامعة، والنظام الديمقراطي.
يتساءل الخبراء: هل يمثل هذا الحوار تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا أم أنه مجرد أداة سياسية لإعادة ترتيب المشهد؟ ويشير البعض إلى أهمية طرح قضايا مثل شكل الدولة والهوية والانتخابات، والتي تعد تأصيلًا للأزمات السودانية. وإذا كانت اللجنة جادة في تقبل النقاش وتعديل المخرجات، فإنها تمتلك فرصة لبناء نقاش أساسي بدلاً من مجرد انعقاد سياسي.
ومع ذلك، يبرز الخطر بأن يتحول الحوار إلى منصة لإنتاج توافق شكلي حول رؤية مُعدة مسبقًا، حيث لا يمكن اعتبار مجرد الحديث عن “حوار سوداني” كافيًا. فالمعيار الجدي ينبغي أن يكون قدرة المنظمين على استيعاب الاختلافات، وليس فقط جمع المؤيدين.
في سياق متصل، يعبر تحالف “صمود” عن رفضه المشاركة في الحوار، مشددًا على ضرورة وقف الحرب قبل بدء أي مشاورات. وفي حين يبدو هذا الشرط منطقيًا، يثير الاستغراب في واقع السياسة السودانية، حيث لا يمكن للسياسة أن تنتظر انتهاء الحرب للبحث في أسبابها. كما يتساءل الكثيرون عن مدى التفويض الشعبي لـ “صمود” وآليات تمثيله الداخلي.
تشير التحليلات إلى أن دعوة الحكومة للحوار قد تعكس ذكاءً تكتيكيًا، حيث يمكن أن يؤدي الحوار حتى دون مشاركة بعض الأطراف المعارضة إلى نتائج إيجابية، مثل خلق توافق وطني حول نظام الحكم اللامركزي ووضع أسس انتخابات حرة.
جدير بالذكر أن الحوار سيُستكمل بمسارين؛ الأول مشاورات تمهيدية مع القوى السياسية، والثاني جلسات حوار فعلية تُناقش شكل النظام السياسي والهوية السودانية. يمكن أن يتبنى الحوار آلية توافقية كخيار أول، وفي حال تعذر ذلك، يُلجأ إلى الإجماع النسبي.
في اختتام المشهد، يظل الأمل معقودًا على أن يتمكن الحوار من الانتقال بمركز الثقل من النخب السياسية التي تدعي تمثيل البلاد إلى الشعب السوداني نفسه، فالاختبار الحقيقي هو في نجاح الحوار في تحقيق ذلك، حيث تظل السودان أكبر من أي كتلة سياسية أو تحالف. ومن هنا، يبقى الأمل في أن يشعر المواطن السوداني بأنه صاحب القرار في تحديد مستقبل بلاده، بغض النظر عن مشاركات أو مقاطعات القوى السياسية المعنية.
