مقالات الراى
منازعة ملكية أرض مطار الخرطوم !؟ ..التفاصيل

في لحظات الأزمات، كثيرًا ما تطفو على السطح روايات قديمة كانت نائمة في الذاكرة، لا لأنها اكتشفت فجأة، بل لأنها وُظِّفت في توقيت بعينه. ما أُثير مؤخرًا حول ملكية أرض مطار الخرطوم الدولي يدخل في هذا الإطار؛ إذ تحوّل قرار إداري بإخلاء مستأجري أراضي البضائع والمخازن بالمنطقة الغربية للمطار إلى نزاع علني حول أصل الملكية، امتزج فيه التاريخ بالعاطفة، واختلطت فيه الرواية بالمستند.
لماذا الآن؟
السؤال الجوهري ليس: من يملك الأرض؟ بل: لماذا أُثير هذا السؤال الآن؟
السبب المباشر واضح:
قيام إدارة مطار الخرطوم بمطالبة مستأجري أراضي المخازن والبضائع بالإخلاء خلال مهلة قصيرة (سبعة أيام)، وهو إجراء مسّ مصالح قائمة، وفتح باب الاعتراض. وعندما تضيق مسارات الطعن الإداري أو القانوني، يُستدعى أصل الملكية كسلاح ضغط، لا كبحث موضوعي.
الروايات المتداولة
برزت روايتان في الفضاء العام:
1. رواية بعض منسوبي الخطوط الجوية السودانية (سودانير)
تزعم أن أرض مطار الخرطوم تعود ملكيتها لسودانير، بل ذهب بعضهم إلى القول إنها أرض وقف تبرع بها رجل البر والإحسان المرحوم عبدالمنعم محمد لصالح الشركة.
2. رواية الطيران المدني
وتستند إلى وثائق رسمية تؤكد أن الأرض مملوكة للدولة ومخصصة كمرفق سيادي للطيران المدني، وأن سودانير كانت تاريخيًا مستخدمًا رئيسيًا للمطار، لا مالكًا له.
القراءة القانونية والمهنية
من منظور قانوني ومؤسسي، تبرز عدة حقائق لا يمكن تجاوزها:
• المطارات الدولية مرافق سيادية، لا تُدار كأملاك خاصة، ولا تُسجَّل عادة باسم شركات تشغيل أو نقل جوي، حتى وإن كانت شركات وطنية.
• في الممارسة الدولية المستقرة:
• شركة الطيران ≠ مالك المطار
• والناقل الوطني، مهما بلغت رمزيته، لا يملك الأرض التي تعمل عليها البنية التحتية السيادية للدولة.
• أما ما أُثير عن “الوقف”:
• فالوقف لا يثبت بالروايات، بل بـ حجة وقف مسجلة ومسار قانوني واضح.
• وحتى إن افترضنا وجود وقف تاريخي لخدمة الطيران، فإن تحويل الأرض إلى مطار دولي يخضعها حكماً لولاية الدولة والتنظيم السيادي، لا لملكية شركة بعينها.
حتى هذه اللحظة، لم تُعرض وثيقة قانونية واحدة تثبت أن أرض مطار الخرطوم موقوفة أو مملوكة لسودانير.
البعد الخطير للنقاش
الخطورة لا تكمن في طرح الأسئلة، بل في تسييس التاريخ لخدمة نزاع آني. فتح ملف ملكية مطار دولي بهذه الطريقة:
• يهدد الاستقرار القانوني للمرفق
• يربك بيئة الاستثمار والشراكات
• ويبعث برسائل سلبية للمنظمات الدولية المعنية بالطيران المدني
والأخطر من ذلك أنه يحوّل خلافًا إداريًا حول الإيجارات والإخلاء إلى أزمة سيادة ومرفق عام.
• الحقيقة الراجحة قانونًا ومهنيًا:
أرض مطار الخرطوم مملوكة للدولة ومخصصة للطيران المدني كمرفق سيادي.
• سودانير:
• كيان وطني عريق
• لكنها مستخدم تاريخي للمطار، لا مالك له.
• الدفاع عن سودانير لا يكون بخلطها بملكية أصول سيادية، بل بإصلاح أوضاعها التشغيلية والمؤسسية على أسس حديثة.
كلمة أخيرة
إذا كان ثمة اعتراض على قرارات الإخلاء أو إدارة الأراضي، فطريقه معلوم: القانون، والإجراءات، والشفافية.
أما استدعاء روايات غير موثقة عن الملكية أو الوقف، فلن يخدم سودانير، ولن يحمي المستأجرين، بل سيضعف هيبة المرفق الذي يمثل بوابة السودان إلى العالم.







