مقالات الراى

عثمان شيخ الدين عكرة يكتب: أردول ومناوي في مؤتمر برلين: بين اقتحام الفرص وتكتيك الأبواب المواربة

بينما كانت الأنظار تتجه إلى العاصمة الألمانية برلين في ١٥ أبريل ، لم يكن الاهتمام منصباً فقط على الأجندة الدولية المعلنة، بل على ديناميكيات الحركة للقوى السياسية السودانية التي اختارت مسارات متباينة في التعامل مع هذا المحفل. وفي قلب هذا المشهد، برز تحركان لقطبين بارزين في معسكر الكتلة الديمقراطية: مبارك أردول ومني أركو مناوي؛ تحركان يكشفان عن تباين عميق في تكتيكات البقاء والمناورة السياسية في لحظة توصف بأنها سوق سياسي مفتوح على كل الاحتمالات.

 

أردول: استراتيجية الاقتحام المنسق

 

يتحرك مبارك أردول بعقلية السياسي الذي لا يخشى الزحام، بل يراه فرصة مثالية لـ بيع المكابسة ورفع القيمة السوقية لمواقفه. مشاركة أردول العلنية، رغم التحفظات الرسمية من حلفائه في بورتسودان، لا تبدو قفزة في الفراغ بقدر ما هي تحرك مسنود بـ ثقة مستمدة من ترتيبات قد لا تظهر للعلن.

 

إن إصرار أردول على الحضور تحت لافتة “قوة الحجة” يعكس رغبة استراتيجية في كسر احتكار الخصوم السياسيين للاعتراف الدولي. هو يدرك أن الغياب عن برلين يعني غياب روايته عن مستقبل السودان، لذا اختار الاقتحام ليثبت أنه رقم صعب في أي معادلة قادمة. وبينما يرى البعض في تبريراته الدينية والوطنية محاولة للاعتذار، يراها المحللون محاولة ذكية لامتصاص غضب الداخل مع ضمان موطئ قدم في مراكز صناعة القرار الدولي، مستفيداً من خيوط التنسيق التي يُشاع دوماً أنه يغزلها مع دوائر التأثير العميقة.

 

مناوي: تكتيك الظل والتحوط

 

على الضفة الأخرى، اختار القائد مني أركو مناوي مساراً يتسم بالضبابية المتعمدة، مفضلاً إرسال مسؤول الشؤون الإنسانية بصفة “مراقب”. هذا الموقف يعكس مدرسة مناوي العريقة في “إمساك العصا من المنتصف”؛ فهو يريد أن يكون “داخل القاعة” دون أن يكون “جزءاً من الصورة” الرسمية للمؤتمر.

 

بالنسبة لمناوي، برلين ليست منصة لإعلان المواقف بقدر ما هي “برج مراقبة”. هو يسعى لحماية ظهره السياسي أمام الحكومة والجيش في الداخل عبر ادعاء “المشاركة الفنية الإنسانية”، وفي الوقت ذاته، يحرص على ألا تضيع منه فرصة الاطلاع على ما يُطبخ في كواليس المجتمع الدولي. هذا التحوط الاستراتيجي يمنحه مرونة فائقة: فإذا نجح المؤتمر، سيقول إنه كان حاضراً، وإذا فشل أو قوبل برفض داخلي قاطع، سيعلن أنه كان مجرد مراقب لشأن إنساني لا أكثر.

 

صدام التكتيكات: الثقة مقابل الحذر

 

عند وضع الرجلين في ميزان التحليل الاستراتيجي، نجد أننا أمام مدرستين مختلفتين في إدارة الأزمات. أردول يتبنى النمط الهجومي الواضح، حيث يراهن على الوجود الفاعل لتغيير النتائج، معتبراً أن السيادة تُنتزع بالنقاش والمواجهة المباشرة. هو يرسل رسالة للغرب بأنه الشريك “القادر على الحوار والمناورة” في آن واحد.

 

أما مناوي، فيتبنى استراتيجية الانتظار النشط. هو لا يريد المخاطرة برصيده السياسي في بورتسودان، لكنه لا يثق تماماً في مآلات الحرب، لذا يبقي باباً موارباً مع العواصم الأوروبية. وبينما يذهب أردول بخطى الواثق الذي يمتلك ضوءاً أخضر خلف الكواليس، يتحرك مناوي بحذر القائد الذي لا يريد وضع كل بيضه في سلة واحدة.

 

زمن النتائج

 

إن ما جرى في برلين ليس مجرد سمنار دبلوماسي، بل هو انعكاس لحالة التموضع داخل الكتلة المساندة للدولة. فبينما يقتحم أردول سوق العصر السياسي لانتزاع مكاسب فورية، يراقب مناوي حركة الأسعار من بعيد. وفي نهاية المطاف، ستحكم النتائج على جدوى هذه التكتيكات؛ فهل ستخدم صراحة أردول الموقف الوطني أم ستعزله؟ وهل سيحمي حذر مناوي مكاسبه أم سيجعله متفرجاً على قطار التسوية الذي قد ينطلق من محطة برلين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com