اخبار

مستقبل الأمن والسياسة في إثيوبيا يثير التساؤلات

أصبحت إثيوبيا جزءًا أساسيًا في معادلة الأمن السوداني ومستقبل النزاع المسلح في البلاد، إذ تشير التطورات الأخيرة على الحدود الشرقية، لا سيما في النيل الأزرق، إلى تحولات عسكرية وسياسية ذات طابع إقليمي. يسعى المقال الحالي لاستكشاف أبعاد هذه التحولات وحسابات إثيوبيا في السياسة والأمن، واحتمالات انصياعها لأجندات إقليمية تتداخل مع مجريات الحرب.

ميدانيًا، تواجه مليشيا الدعم السريع ضغوطًا شديدة نتيجة الهزائم في كردفان وتراجع قدرتها على المناورة، بالإضافة إلى الانقسامات المتزايدة فيها وتآكل معنوياتها وفعالية المرتزقة الأجانب، بالتزامن مع ضعف حلفائها في المناطق الجبلية. وقد أدت سيطرة الجيش السوداني على المثلث الحدودي إلى قطع أحد خطوط الإمداد، مما زاد من كلفة استمرار تلك المليشيا في المعارك غربًا.

تتطلب إدارة الجيش السوداني للحرب أكثر من مجرد تحقيق انتصارات، إذ أصبحت المعادلة تتلخص في قطع شرايين الإمداد وعزل مناطق العمليات واستنزاف قدرة المتمردين، مع التقدم في الأماكن التي تكون كلفة المعركة فيها أقل وعائدها الاستراتيجي أكبر. في حال استمرت عملية تفكيك خطوط الإمداد بشكل فعال، قد يصبح تحرير ما تبقى من كردفان والاتجاه نحو دارفور واقعًا.

يظهر أن نقل الضغط إلى النيل الأزرق والحدود الشرقية قد يُعد محاولة لتشتيت قوة الجيش السوداني وإجباره على توزيع قواته على عدة محاور. هنا يأتي دور إثيوبيا كعنصر في الحسابات الاستراتيجية، إذ يرتبط الوضع في الجبهة الشرقية بشكل وثيق مع التوازنات في القرن الأفريقي، ما يجعل أي اضطراب هناك أداة محتملة لاستعادة موازين القوة.

من الضروري أن تتفهم الخرطوم وأديس أبابا أن فهمهما لبعضهما ليس كافيًا، إذ إن قراءة إثيوبيا للسودان ككتلة ضعيفة أمر مضلل. للسودان معرفة تاريخية عميقة بإثيوبيا بفضل الجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني. وقد كان السودان جزءًا من البيئة الإقليمية التي ساهمت في تغييرات سياسية في إثيوبيا في التسعينات.

السودان لا يرغب في استخدام معرفته ضد إثيوبيا، لكنه لن يقبل بوجود أي دعم من أديس أبابا للتمرد على أراضيه. وعلى الرغم من الحرب، تمسكت الخرطوم بفتح قنوات التواصل، حيث رحبت بزيارة رئيس الوزراء الإثيوبي ووساطته للتوصل إلى حلول سلمية، متجاوزة توترات سابقة.

هذا الانفتاح لا يُعتبر سذاجة، ولكنه يعبر عن إدراك عميق لمصالح البلدين. فيما يتعين على إثيوبيا أن تسأل عن فوائد وجود سودان مضطرب على حدودها، إذ إن استقرار السودان يعزز أمن حدودها وتيسير التجارة وضبط حركة البشر والأسلحة.

المشهد يزداد تعقيدًا مع ظهور مياة النيل في الصراعات الجيوسياسية، حيث يتحكم سد النهضة في معادلة النفوذ في حوض النيل، وأي استخدام للمياه كأداة ضغط سياسي من شأنه تهديد التعاون القائم. لذا، يحتاج السودان إلى سياسة متوازنة تحمي مصالحه المائية وتؤكد على التعاون الفني، رابطًا استقراره بمصلحة البلدين دون تسيس.

إن مصلحة إثيوبيا تكمن في عدم تحويل نفوذها إلى أداة في صراعات إقليمية أو أطماع دولية، فاستقرار السودان ليس فقط مصلحة خاصة به، ولكن أيضًا قد يؤثر بشكل كبير على الوضع في إثيوبيا. وعليها أن تدرك أن قرارها يجب أن يكون بعيدًا عن صراعات الآخرين، إذ إن الدول لا تحمي أمنها بتوسيع نفوذ الآخرين، بل من خلال تعزيز موقفها وبناء جوار مستقر.

وفي المجمل، لا يسعى السودان إلى معاداة إثيوبيا، بل إلى تحفيزها على إعادة تقييم حساباتها. فالسودان ليس ضعيفًا أو مستجدًا، ولديه أيضًا حلفاؤه ومصالحه. وأمن إثيوبيا ينبغي أن يرتكز على علاقات جارة مستقرة ومتوازنة، فلا يسعى السودان للحرب، لكنه لن يقبل أن تُستخدم الحرب ضده من حدود جيرانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com