تدخل مشاركة الخرطوم في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة اختبارًا سياسيًا صعبًا يتداخل فيه الضغط الدولي مع حسابات إعادة تشكيل الدولة السودانية، ما يدفعها نحو تفاهمات قد تتجاوز وقف الحرب إلى رسم ملامح مستقبلها السياسي والسيادي.
تتعلق الأزمة بتأخر إصدار تأشيرة الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى نيويورك، حيث تشير التقارير إلى أن التأشيرة مرتبطة بموقف البلاد من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا، مما أثار قلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي أبدى اهتمامه بالأمر مع الجانب الأمريكي.
تبدو التأشيرة كشهادة سياسية، فإذا صدرت، قد تعني فصلًا بين الخلاف السياسي والالتزامات المتعلقة باستضافة اجتماعات المنظمة الدولية. وفي حال استمرار عدم إصدارها، فإن ذلك سيضع الأمم المتحدة أمام اختبار لمدى قدرتها على ضمان مشاركة الدول الأعضاء، ويعكس عمق العلاقة المتوترة بين الخرطوم وواشنطن.
إذا ثبت ربط التأشيرة بشرط سياسي، فإن ذلك يضع قضية السيادة السودانية وحقها في المشاركة الكاملة في الجمعية العامة في دائرة التحدي، حيث أن ذلك يفوق مجرد الخلاف مع واشنطن، إذ يجب أن تكون الجمعية العامة منبرًا للدول الأعضاء، لا ساحة تُستخدم فيها التأشيرات كأداة للضغط أو الابتزاز.
في هذا السياق، نشر البرهان مقالًا في مجلة Foreign Policy الأمريكية يدعو فيه إلى إنهاء الحرب بصورة دائمة، ووقف التدخل الخارجي، ويربط السلام بمسار سياسي سوداني، مع التركيز على الانتهاكات والدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع. يمنح هذا الاختيار للبرهان الفرصة لنقل الرواية السودانية إلى الجماهير الإقليمية والدولية.
رغم ذلك، لا يمكن للمعركة من أجل الرواية أن تحسم الموقف الدولي بمفردها، فالدول تتحرك وفق مصالحها والواقع على الأرض. لذا تكتسب دعوة غوتيريش لمساءلة الدول التي تُطيل أمد الحرب أهمية خاصة للسودان، حيث تفتح المجال لمناقشة التدخل الخارجي وتأثيره على استمرار الصراع.
في الأثناء، يبرز حضور عبد الله حمدوك ووفد “صمود” في لقاءات دولية موازية، رغم عدم وجود تفويض رسمي لهم لتمثيل السودان. وقد يسعى بعض الجهات الدولية لتقديمه كصوتٍ بديل، خاصة مع قرب موقف “صمود” من الدعم السريع، مما يجعل تعدد المسارات ليس مجرد تنوع بل قد يتحول إلى صراع حول من يمثل السودان.
تتداخل هنا ثلاثة مسارات: الدولة في نيويورك، القوى السياسية في العواصم الدولية، والحوار السوداني الداخلي. رغم أن هذه المسارات قد تبدو متباعدة، إلا أنها قد تشكل مكونات لمسار وطني إذا اجتمعت حول القضايا الأساسية، بدلاً من أن تتحول إلى ساحات تنافس على تمثيل السودان.
تزداد أهمية ذلك حيث يدخل السودان، وفق وزير الخارجية، الجمعية العامة بملفات مترابطة تتعلق بوقف الحرب، المساعدات، حماية المدنيين، التدخل الخارجي، والسيادة. أي معالجة لأحد هذه الملفات ستؤثر في البقية، مما يجعل المسألة تتجاوز كيفية إنهاء الحرب إلى كيفية إدارة المرحلة التالية وشكل الدولة التي ستظهر منها.
يمكن وصف هذه الوضعية بـ”مأزق الاحتمالات”، إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بما سيحدث في نيويورك، بل بما ستنتجه من ضغوط وتفاهمات. قد تتجه واشنطن نحو التصعيد أو الدفع لوقف إطلاق النار أو الجمع بين الضغط والتسوية، بينما تتغلب الحسابات الجيوسياسية على أي موقف دولي موحد. ومع ذلك، فإن السودان لا يملك ترف الانتظار، فعندما تغيب الرؤية الوطنية، تتسع مساحة التدخل والضغط على قراراته.
كما يعتبر اجتماع الجمعية العامة ليس فقط منصة للخطاب، بل ساحة لهندسة المواقف، حيث أصبحت التأشيرة جزءًا من هذا المشهد. لذا، يتوجب على السودان تحويل حضوره الدولي من مجرد عرض للمواقف إلى إدارة فعال لمصالحه وبناء التفاهمات، وحماية سيادته وقراره الوطني.
دمتم بخير وعافية.
