أصبح القرن الإفريقي ساحةً للصراعات الدولية، حيث تتقاطع المصالح الإستراتيجية للقوى الكبرى، مما يؤثر بشكل مباشر على أمن السودان. في هذا السياق، تعود الحرب إلى إقليم تغراي بين 23 و26 سبتمبر 2026، مُعلنةً فشل نموذج الفيدرالية الإثيوبية، وتكشف عن تشكيل تحالفات جديدة بين جبهة تحرير تغراي وعدد من الحركات المسلحة التي كانت تتنازع فيما بينها.
أهداف هذا التحالف لم تعد تتركز على الحكم الذاتي، بل تتجه نحو إسقاط نظام آبي أحمد. ومع تغير الاستراتيجية، أصبحت العمليات العسكرية صوب مدينة عفر، حيث يمر شريان الحياة الإثيوبي الوحيد: طريق أديس أبابا – جيبوتي، الذي يمثل 95% من حركة الوقود والغذاء والسلاح إلى البلاد. السيطرة على بلدة أبالا في عفر قد تؤدي إلى خنق اقتصاد إثيوبيا، مما دفع آبي أحمد لزيارة جيبوتي سعياً لتأمين هذا الممر الحيوي.
تتضح كذلك التحولات الجيوبولتيكية في منطقة البحر الأحمر، حيث لم يعد القرن الإفريقي محصوراً بأفريقيا. فجيبوتي تضم قواعد عسكرية أمريكية، فرنسية وصينية، بينما تسعى الإمارات وتركيا لتعزيز وجودهما عبر الموانئ الإريترية والصومالية. أي تضارب عسكري في إثيوبيا قد يدفع هذه القوى للتحرك لحماية مصالحها، مما يستدعي قلق السودان، الذي قد يجد نفسه في قلب الأحداث.
في سياق آخر، كشف تقرير خبراء الأمم المتحدة عن شبكة لدعم المجموعات المسلحة، تؤكد أن الانهيار الإثيوبي يمكن أن يصب في فوضى تعزز طرق التهريب القائمة. بينما قد يبدو انهيار إثيوبيا كما لو أنه مكسب استراتيجي للسودان والقاهرة في ملف سد النهضة، إلا أنه يحمل في طياته تحديات، حيث لن يتمكن نظام ضعيف من التفاوض على اتفاقات ملزمة للمياه. ومن المتوقع أن يستقبل السودان موجات جديدة من اللاجئين في ظل الأوضاع غير المستقرة.
أما بالنسبة لعقد الهدنة، فتسعى إدارة واشنطن إلى تمرير هدنة لمدة 90 يوماً في السودان، مع توسيع حظر السلاح لكافة مناطق البلاد. ولكن الحكومة السودانية ترفض تلك الهدنة، معتبرة إياها بمثابة دعم للتمرد الذي عانى من هزائم مؤلمة.
السؤال المطروح هو: ما تأثير كل ذلك على السودان؟ إن ما يحدث في القرن الإفريقي ليس بعيداً عن السودان، فالفراغ الأمني في شرق إثيوبيا يعني فراغاً في الفشقة السودانية. أي تصعيد لقوات تغراي قد يُعيد ترتيب المواقف في المنطقة، مما يشكل تهديداً مباشراً لأمن السودان. على الرغم من العلاقات السلمية بين السودان وإريتريا، يبقى الوضع مرشحاً للتوتر والهجمات الجديدة.
إذا لم تبنِ السودان الوعي الاستراتيجي اللازم لمواجهة هذه التحديات، فقد يكون هو الضحية الأكبر لتداعيات الانهيارات في جيرانه. وفي النهاية، كل ما تتخذه من قرارات في إطار الأزمات الحالية يجب أن يكون مرتكزًا على الفهم العميق للتهديدات المستقبلية والمتغيرات السياسية المتسارعة في منطقة القرن الإفريقي.
