في حادثة هي الأكثر دموية هذا العام، سقط أكثر من 150 معدناً سودانياً في المنطقة الحدودية بين السودان ومصر، شمال شرق البلاد، جراء قصف جوي يُتهم المعدنون المصريون بتنفيذه. وقد جاء هذا الحادث بالتزامن مع إعلان القوات المسلحة المصرية عن تنفيذ “المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية”، مؤكدة على استمرارها في فرض السيادة داخل حدود الدولة المصرية وحماية ثرواتها القومية.
لم تُصدر الحكومة السودانية أي بيان رسمي لأكثر من يومين، حتى جاء بيان مجلس السيادة الانتقالي الذي ترحم فيه على أرواح الضحايا، معرباً عن تعازيه لأسرهم. وأعلن رئيس المجلس، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، للتحقيق في ملابسات الحادث. ومع ذلك، أثار هذا القرار انتقادات واسعة، حيث أشار الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد إلى أن اللجنة لم تضم الجهة الفنية المسؤولة عن تحديد عدوان الجانب المصري.
في المقابل، لم يصدر الجانب المصري أي تعليق رسمي مباشر حول سقوط الضحايا، مكتفياً ببيان المتحدث العسكري الذي أشار إلى استهداف “عناصر إجرامية” تقوم بأعمال التنقيب غير المشروع. وبدوره، وصف الكاتب الصحفي الطاهر ساتي هذا الموقف بأنه يحمل اتهاماً ضمنياً للضحايا. كما أوضح أن استخدام القوة ينبغي أن يتم بشكل متوازن حفاظاً على الأرواح.
على الرغم من محاولات الحكومة السودانية لاحتواء الموقف، فقد شهدت الخرطوم ردود فعل غاضبة، حيث قُتل عدد من المصريين المقيمين. وقد تعرض سائقون مصريون لهجوم راح ضحيته اثنان وأُصيب ثالث، مما ينذر بتحويل الحادثة إلى أزمة دبلوماسية.
من الجدير بالذكر أن هذه ليست الحادثة الأولى من نوعها، فقد وقعت حادثة مشابهة في المنطقة الحدودية قبل أشهر. وأشار الطاهر ساتي إلى ضرورة تعامل الحكومة بجدية لحماية المعدنين والتنظيم الفعال لأنشطة التعدين.
ورغم خطورة الحادثة، يبدو أن السودان ومصر يسعيان للحفاظ على علاقاتهما، حيث يشير ساتي إلى أهمية تفعيل بروتوكولات التنسيق الميداني لحماية الحدود. وأكد الكاتب مكي المغربي على أهمية تفعيل معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين كوسيلة لمواجهة الكارثة الحالية.
تظل حادثة المعدنين اختباراً حقيقياً للعلاقات السودانية المصرية، وسط مخاوف من أن تتحول اللجنة المكونة إلى “مجرد تخدير” بدلاً من أن تكون نقطة تحول حقيقية. ويناشد مراقبون حالياً بضرورة معالجة جذور المشكلة وأهمية تنظيم التعدين بما يضمن حماية الأرواح قبل الأرباح.
