فقدت الساحة الثقافية والسياسية في السودان الأسبوع الماضي علامتها المميزة، ابن عمر محمد أحمد، الذي رحل عن عالمنا، ليُدفن بعيدًا عن تراب الوطن الذي عاش فيه بروحه وجسده. وفي ضوء التأثيرات المتراكمة للحروب التي مرت بها البلاد، برزت العاصمة الخرطوم كقلب الأحداث وتجددت فيها المعارك السياسية.
ترك رحيل هذا الشاعر والناشط السياسي، الذي عاش عمرا مديدًا وهو في السبعينات من عمره، آثارًا عميقة في قلوب محبيه ومتابعي أدبه. وُلد ابن عمر في مدينة حلفاية الملوك، وتحمل قصة هجرته إلى حمرة الوز في أقاصي دار الريح، العديد من المعاني الرمزية التي تعبِّر عن رحلة الشاعر في تفاصيل الحياة.
خلال سنوات السبعينات، كان ابن عمر جزءًا لا يتجزأ من الحركة السياسية والفكرية في جامعة الخرطوم، حيث كانت منابر الثقافة تعج بالحوار والجدل بين تيارات الفكر المختلفة. اشتهر بابياته الشعرية التي عبرت عن آلام الوطن، متغنيًا بإنسانية السودان وأوجاعه.
لقد شهد تاريخ ابن عمر تسارع الأحداث السياسية بدءًا من سقوط نظام جعفر نميري، حينما ارتفعت أصوات المثقفين في الشارع، وتفاعلت الجبهة الإسلامية مع تطلعات الشعب. وكانت لحظة انتصاره في دائرة حمرة الوز خلال الانتخابات تعبيرًا عن ثقة الشعب في خياراته السياسية.
تجددت الأزمات مع قدوم حقبة الإنقاذ التي قادها التيار الإسلامي، حيث تم إبعاد ابن عمر عن واجهات السلطة، ومن ثم أسندت إليه مهمات عديدة منها مشروع درء الجفاف والتصحر. في هذه المرحلة، برزت موهبته في التفكير بعيد المدى حول كيفية استعادة الغطاء النباتي في صحراء دار الريح.
على الرغم من تباين المواقف السياسية بين ابن عمر وبقية السياسيين، إلا أن بيته في الخرطوم أصبح ملاذًا لكل من يسعى للحديث عن الأصالة الفكرية والسير على نهج الإصلاح. ورغم الضغوط، حافظ على رؤيته النقدية وتوجهاته الإصلاحية، مما جعله يتعرض لتحديات متعددة في مسيرته.
توفي ابن عمر تاركًا خلفه ذكرى خصبة لم تعش الأدوار السياسية ولا الثقافية في السودان، إلا بوجود أمثال هذا الرجل الذي تفاعل مع قضايا وطنه وأحلام شعبه حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ليكون قدوة للمثقف الثائر في زمن التصحر الفكري.
