أرقام صادمة عن ذهب السودان: 70 طناً إنتاجاً و 16 طناً فقط صادراً.. أين ذهبت المليارات..؟

أرقام صادمة عن ذهب السودان: 70 طناً إنتاجاً و 16 طناً فقط صادراً.. أين ذهبت المليارات..؟
تكشف الأرقام الرسمية المتعلقة بإنتاج وتصدير الذهب في السودان عن مفارقة اقتصادية خطيرة تطرح أسئلة مشروعة حول مصير واحدة من أهم ثروات البلاد. فبينما أعلنت الشركة السودانية للمعادن أن إنتاج الذهب خلال العام الماضي بلغ نحو 70 طناً، يواصل الجنيه السوداني انهياره الحاد، وتزداد الأوضاع المعيشية سوءًا، في مشهد لا يستقيم مع منطق الاقتصاد ولا مع أبسط قواعد إدارة الموارد.
فالدول التي تنتج وتُصدّر هذا الحجم من الذهب يفترض أن تتمتع بحد أدنى من الاستقرار النقدي والقدرة على دعم عملتها الوطنية، غير أن الواقع في السودان يعكس صورة معاكسة تمامًا، ما يضع هذه الأرقام موضع شك، أو يجعلها – في أفضل الأحوال – دليلاً على سوء إدارة وفساد ممنهج.
وبحسب الحسابات الاقتصادية، فإن سعر الطن الواحد من الذهب يُقدَّر بنحو 125 مليون دولار، ما يعني أن العائد المتوقع لإنتاج يبلغ 70 طناً يجب أن يصل إلى نحو 8.75 مليار دولار. ولو دخل هذا المبلغ خزينة الدولة عبر القنوات الرسمية، لكان كفيلًا بتحسين سعر الصرف، ودعم الاحتياطي النقدي، وتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
إلا أن مصادر موثوقة بوزارة المالية وبنك السودان تؤكد أن حجم الذهب الذي تم تصديره فعليًا عبر المنافذ الرسمية لم يتجاوز 16 طناً فقط، وبحصائل لم تبلغ ملياري دولار. وهنا تتجلى الفجوة الصادمة بين المُعلن والواقع، حيث يظل مصير 54 طناً من الذهب، وعائدات تُقدّر بنحو 6.75 مليار دولار، مجهولًا.
ولا يمكن تفسير هذا التفاوت الكبير إلا بوجود تهريب واسع النطاق، أو فشل مؤسسي في إحكام الرقابة على قطاع يُعد من أهم موارد الدولة. فالذهب السوداني يبدو وكأنه يُدار خارج إطار الدولة، في ظل ضعف السياسات الاقتصادية، وتعدد أسعار الصرف، وغياب الحوكمة والشفافية.
والأخطر من ذلك أن ارتفاع الإنتاج، بدل أن يكون مؤشرًا إيجابيًا، تحوّل إلى شهادة إدانة ضد الجهات المسؤولة عن إدارة هذا القطاع، بدءًا من الشركة السودانية للمعادن، مرورًا بمجلس الوزراء وبنك السودان، وانتهاءً بالأجهزة المكلفة بمكافحة التهريب وحماية الموارد الوطنية.
إن ما يحدث لذهب السودان ليس مجرد خلل فني أو إداري، بل هو نزيف اقتصادي منظم، يدفع ثمنه المواطن يوميًا في معيشته وخدماته وانهيار عملته. فالثروات لا تُقاس بحجم إنتاجها، بل بقدرة الدولة على إدارتها وحماية عائداتها لصالح شعبها.








