الواقع الميداني في السودان يتجاوز طاولات الحوار السياسي

تحظى دعوات الحوار الشامل بترحيب واسع في الشارع السوداني بعد سنوات طويلة من النزاعات المسلحة والانقسامات السياسية التي أنهكت البلاد، حيث يُمثل خيار الحوار ركيزة أساسية لاستعادة الحياة السياسية وبناء مجال عام يستند إلى التعددية وقبول الآخر. وفي هذا السياق، جاءت المبادرة الأخيرة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لعقد حوار سوداني-سوداني تُديره آلية وطنية مستقلة، مع تقديم تعهدات بتوفير ضمانات قانونية وأمنية وسياسية للمشاركين، وتأكيد السلطات أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للعملية أو المحددة لأجندتها ومخرجاتها، مشددة على أهمية توافر مناخ عام تسوده الحريات.
ويرى مراقبون أن تقييم مثل هذه الدعوات يتطلب النظر إلى ما وراء الشعارات الإيجابية، فالمصداقية السياسية ترتبط بالشروط العملية والممارسات الفعلية على الأرض وليس بالخطابات التجريدية. وتاريخ المبادرات الوطنية في السودان يحفل بعشرات المؤتمرات وموائد الحوار التي لم تمنع البلاد من الانزلاق إلى الأزمات، وهو ما تجلى سابقًا خلال ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية، حيث اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني الذي شهد تفكيكًا لمؤسسات الدولة وصراعات ممتدة وانهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسع النطاق.
وفيما يخص موقع المؤسسة العسكرية ورئيسها من الخارطة السياسية، يعلن البرهان بوضوح عدم انتمائه للحركة الإسلامية أو كونه واجهة لها، إلا أن التحليل السياسي يتجاوز التصريحات الفردية ليركز على شبكة المصالح والتحالفات النافذة في المشهد الراهن ومدى تأثير التيارات المختلفة داخل معسكر إدارة الدولة والحرب. ويظل الرهان الحقيقي في مدى قدرة مبادرة الحوار على إقناع القطاعات الشعبية والسياسية بأنها تسعى لتحقيق تسوية شاملة وتنقل حقيقي من منطق الاصطفاف إلى بناء الدولة، وليس مجرد إعادة ترتيب لموازين القوة القائمة.
وعلى صعيد الترتيبات الهيكلية، تداولت مصادر سياسية أنباء بشأن تشكيل لجنة أو آلية وطنية تضم عشرة أعضاء لإدارة الحوار المرتقب، وتضمنت الأسماء المطروحة شخصيات بارزة من بينها قاسم بدري، ونبيل أديب، ونور الدين ساتي، والواثق كمير، ومضوي إبراهيم، ومحمد جلال هاشم، ونور الدين شلقامي، وعثمان ميرغني، وعائشة البرير، والمحبوب عبد السلام، مع بقاء التشكيل النهائي وطبيعة آليات العمل محل متابعة.
وتشير القراءة الموضوعية لتشكيل هذه الآلية إلى أن المعيار الأهم لا يكمن في ألقاب الوطنية أو الأسماء بذاتها، بل في ضمان استقلالية اللجنة وقدرتها على إدارة التباينات الفكرية دون تحويل الحوار إلى صراع ملكية أو امتداد لأحد طرفي النزاع المسلح. فإدارة التنوع السياسي تتطلب إطارًا متوازنًا يجعل الاختلاف مصدر اتزان للعملية الوطنية، ويضمن ألا تؤدي الانتماءات الأيديولوجية للأعضاء إلى إضعاف الثقة في حياد المظلة الجامعة للحوار.
وتتسع إشكالية الحوار لتشمل مفهوم ملكية العملية السياسية وأزمة التمثيل؛ إذ إن التأثير الكارثي للحرب يمتد إلى عموم المجتمع السوداني بمختلف قطاعاته، وليس فقط المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع أو الأحزاب التقليدية. ويستلزم نجاح الحوار مشاركة واسعة للمدنيين، والمهنيين، والشباب، والنساء، والنقابات، والمبادرات الأهلية، فضلًا عن النازحين واللاجئين وسكان المناطق الأكثر تضررًا من التهميش والنزاعات. وإن اقتصار الحوار على إعادة تقاسم السلطة بين النخب السياسية والعسكرية لن يعالج جذور أزمة الشرعية المتجذرة منذ عقود.
ويشكل المناخ السياسي العام حجر الزاوية في بناء الثقة المتبادلة، حيث شهدت الفترة الأخيرة حادثة توقيف الصحفي قرشي عوض في 13 أغسطس بناءً على بلاغ من جهاز المخابرات العامة بموجب قانون جرائم المعلوماتية، قبل إطلاق سراحه بالضمانة في 15 أغسطس، وهو ما أثار انتقادات حقوقية وسياسية وصحفية واسعة. وتبرز هذه الواقعة مفارقة حادة بين التعهدات الرسمية بإفساح المجال العام وتوفير الحريات، وبين الممارسات الميدانية المقيدة للرأي والصحافة.
ويؤكد الكاتب المهندس معاوية ماجد أن توفير الضمانات والحصانات للمشاركين يجب ألا يُطرح كامتياز استثنائي مؤقت مرتبط بجلسات الحوار فقط، بل يجب أن يتحول إلى امتداد طبيعي لحق التعبير السياسي الذي يسبق الحوار ويهيئ له، من خلال خطوات ملموسة تشمل فتح المجال العام، ووقف الملاحقات الأمنية للرأي المعارض، وضمان حرية الصحافة، وتقديم ضمانات حقيقية تجعل الاختلاف السياسي حقًا أصيلًا لا مخاطرة مؤجلة.
ويخلص التحليل الذي قدمه المهندس معاوية ماجد إلى أن الأزمة السودانية الراهنة، التي تتجاوز تاريخ اندلاع حرب أبريل 2023 لتستند إلى عقود من الاختلالات السياسية والمؤسسية، تستوجب حوارًا يختلف جذريًا في شروطه وضماناته عن التجارب السابقة. ولا بد من جعل الأفعال تسبق الأقوال عبر إثبات استقلالية الآلية المنظمة، وشمولية التمثيل المجتمعي، والانتقال الفعلي نحو عملية سياسية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع وتنهي الارتهان للسلاح في اتخاذ القرار السياسي.






