اخبار السودان لحظة بلحظةالأحد، 20 سبتمبر 2026
أخبار عاجلة

التجاني عبد القادر: شخصية تتجاوز السياسة بكثير

التجاني عبد القادر: شخصية تتجاوز السياسة بكثير

التجاني عبد القادر: شخصية تتجاوز السياسة بكثير

حظيت وفاة البروفيسور التجاني عبد القادر بتسليط الضوء على فقدان عظيم لم يُدرَك سلفًا، حيث اكتشف الكثيرون أنه عالم تجنب الانغماس في السياسة بشكل كامل، لكنه انتمى إلى الفكر الذي اتخذه منارة له. اختار عبد القادر أن يبقى مفكرًا بأفكاره الحرة، رافضًا أن تكون السياسة قيدًا لعقله، مما جعله أكبر من السياسية، التي عادة ما تُقيد العقول وتنتهي عند حدود السلطة.

عرفت البروفسور التجاني أثناء دراستي في بداية الجامعة، حين كانت ساحة التنافس على ولاء الطلاب تتوزع بين الإسلاميين واليسار والاتحاديين في جامعة القاهرة، وكان الطلاب في قسم الفلسفة يسعون لمناقشة الأفكار والمفاهيم الحرية قبل الانتماء. فضلنا المحافظة على استقلاليتنا، مما أتاح لنا مجالاً أوسع للتواصل مع المعرفة بمختلف تياراتها.

كنا نشارك في مجالس اليسار والإسلاميين ونستمع إلى وجهات نظر الاتحاديين وغيرهم، لنخرج بمساحة أوسع من التفكير والتساؤل حول الانتماء. في تلك الأجواء، تبلورت رؤانا وتعاملنا مع المعرفة كأداة تعلّم، بينما الاستقلال لم يكن موقفًا باردًا، بل أسلوباً لحماية عقولنا من التبعية.

لكن اللقاء الأكثر تأثيرًا في ذاكرتي كان مع التجاني عبد القادر في معهد إسلامية المعرفة بجامعة الخرطوم. لقد كان حريصًا على توجيه النقاش نحو الأفكار وخلفياتها التاريخية، مُبقيًا لنا حرية التفكّر بعيدًا عن التوجيهات الجاهزة. لم يسعَ لتحشيدنا نحو الحركة الإسلامية، بل منحنا فسحة للتأمل واختيار المواقف بعقل مفتوح.

يومها، أدركنا أن رجل الفكر يتعامل مع مواضيع الولاء والبراء برؤية مختلفة؛ إذ يحرص على فتح الأبواب للفهم أولاً، قبل الانتماء، مما جعل ذلك اللقاء راسخًا في أذهاننا، لأنه لم يمنحنا إجابات بقدر ما منحنا حرية التفكير.

كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام، تضح لي أن التجاني كان رجلًا في جوهر تجربته أكبر من السياسة بأنواعها الضيقة. لم يكن يعارضها، بل كان يعتقد بأنه لا ينبغي أن تُختصر السياسة في الفكر، أو تُختزل قيمة المثقف إلى مجرد موقعه في السلطة.

تكمن أهمية التجاني السياسية في كونه من المثقفين الذين دخلوا عالم السياسة عبر بوابة الفكر، واستمروا على هذا الدرب النقدي. وقد أظهرت شهادات معاصريه بعد رحيله، أنه اتخذ مواقف نقدية من تجربة الإنقاذ منذ منتصف التسعينيات، وعبر عن آرائه بجرأة.

إحدى القضايا التي نفتقدها اليوم هي المسافة الواعية بين الانتماء والاستقلال. المثقف الذي يفقد تلك المسافة يتحول إلى مبرر للفكر، والسياسي الذي يفتقر للمعرفة قد يحوّل الدولة إلى ساحة للتجارب غير المفيدة. لذلك، على الرغم من الأدوار السياسية القيادية المعروضة عليه، بقِي التجاني مخلصًا لمجال الفكر، مؤكدًا أن المثقف يستطيع التأثير في السياسة دون أن يكون تابعًا لها.

في الإطار ذاته، تكشف تجربة التجاني عبد القادر عن مفارقة حقيقية؛ فقد انشغل بقضايا الدولة والمجتمع والدين، لكنه كان يعلم أن السياسة مشروعٌ يجب أن يُديرها فكر علمي وليس صراعًا على السلطة. لذلك نكتشف قيمة العقول بعد رحيلها، بدلاً من استغلالها لصناعة مستقبلنا اليوم.

وبهذا يتضح أن الوفاء للتجاني يكمن في إعادة طرح أفكاره على طاولة الحوار حول الأسئلة التي عجزت السياسة عن الإجابة عليها. رحيله يمثل خسارة فكرية وسياسية، خاصة في بلد تأثرت فيه الحياة السياسية بالاستقطاب إلى الصراعات. لذا تبقى مأساة السودان أكبر من رحيل التجاني، حيث يُقصى أحيانًا صوت العقول الفاعلة، لتصبح مجرد ذكريات بعد فوات الأوان. رحم الله التجاني عبد القادر، وألهم ذويه وتلاميذه الصبر في هذا المصاب الجلل.

قد يعجبك ايضا
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com