يُعتبر مضيق هرمز، الذي يمتد بين إيران وعُمان، شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، حيث تمر عبره نحو 20.9 مليون برميل يومياً، تمثل حوالي خمس استهلاك السوائل النفطية عالمياً، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
في الوقت الحالي، يتجاوز مفهوم الاقتصاد كونه مجرد أرقام في الموازنات أو حركة تجارية بين الموانئ، ليصبح أداةً من أدوات النفوذ والتفاوض. إذ بات من الواضح أن الجغرافيا الاقتصادية قادرة على تغيير مسارات السياسة دون الحاجة إلى استخدام السلاح.
تتغير بالتالي معايير القوة، فلم يعد السؤال الأهم هو من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل من يمتلك مفاتيح الطاقة والممرات البحرية، ومن بإمكانه فتح الطرق أو عرقلة التجارة. يغدو لذلك اضطراب أي ممر بحري قضية اقتصادية وسياسية ذات أبعاد عالمية، كما أن الأحداث الأخيرة أكدت أن التغبير في مضيق هرمز أو باب المندب يمكن أن يؤثر على تدفقات التجارة والطاقة عالمياً.
لكن الأزمات الاقتصادية تُظهر أيضاً أن السيطرة ليست كافية، بل يجب أن تكون هناك بدائل. الدول التي تعتمد على ممرات واحدة قد تواجه ضغوطات أكبر، في حين تتجه الدول الأخرى نحو تطوير خطوط أنابيب وموانئ بديلة. وتقدّر إدارة معلومات الطاقة أن السعودية والإمارات يمكنهما معاً توفير نحو 4.7 ملايين برميل يومياً كبديل لمضيق هرمز، رغم عدم كفاية هذه الكمية لتعويض جميع التدفقات المعتادة.
وفي هذا السياق، تُعيد المفاوضات صياغة العلاقة الدولية، حيث أصبحت تدور حول الموانئ والطاقة والاستثمارات وسلاسل الإمداد، بدلاً من الحدود والأمن والسيادة. ومن هنا، فإن مستقبل العلاقات الدولية لن يُحدد فقط من قبل العواصم السيادية، بل أيضاً من خلال الموانئ والمضائق وخطوط الأنابيب ومصادر الطاقة.
مع تراجع الحدود أمام حركة المال والسلع، يظهر السؤال الأهم: هل تستطيع الدول تحويل اقتصادها إلى جسر للحوار أم ستتركه يتحول إلى أداة للصراعات؟
تظهر الرسالة الأهم للسودان في أنه ليس الموقع الجغرافي مجرد علامة على الخريطة؛ بل يصبح مصدراً للقوة عندما يتحول إلى اقتصاد متكامل. فالبحر الأحمر ليس مجرد ساحل سوداني، بل يمكن أن يكون مفتاحاً لمستقبل البلاد إذا تم استغلال الجغرافيا بشكل اقتصادي صحيح.
