اخبار السودان لحظة بلحظةالسبت، 19 سبتمبر 2026
أخبار عاجلة

آفاق جديدة للديمقراطية في ظل الخراب السياسي

آفاق جديدة للديمقراطية في ظل الخراب السياسي

آفاق جديدة للديمقراطية في ظل الخراب السياسي

بقلم: محمد إحسان

يشهد النقاش حول الديمقراطية في الشرق الأوسط وأفريقيا اهتمامًا متكررًا بسؤال يطرح نفسه: كيف يمكن لدول مثل السودان أن تتشابه مع الديمقراطيات الغربية الراسخة؟ وعلى الرغم من فهم هذا التساؤل، إلا أنه قد لا يكون النقطة المناسبة للبدء.

فالديمقراطية ليست تقنية غربية يمكن استيرادها بصورةٍ سهلة. لقد تطور النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة عبر تاريخ محدد، تخللته ثورات وصراعات دستورية واقتصادية واجتماعية أدت إلى تشكيل مؤسسات قوية.

أما السودان، كمثيله من البلدان التي عانت من الاستبداد والعنف، يمتلك تجربة تاريخية خاصة وبنية اجتماعية تختلف بشكل جذري. لذا، فإن السؤال الأهم يجب أن يكون: كيف يمكن لمجتمع عانى من الحكم الاستبدادي والحرب أن يبني نظامه الديمقراطي الخاص؟

هذا الفارق جوهري، حيث تتعلق الديمقراطية بإقامة نظام سياسي يمكن فيه تحدي السلطة دون عنف، وتغيير الحكومات بدون ثورات، وتمكين الأقليات من المشاركة في بناء الوطن.

إن الانتخابات تعد جزءًا من الديمقراطية، لكنها ليست كل شيء. فهناك حاجة ملحة لبناء مؤسسات سياسية قوية تدعم الاختلاف والمنافسة السياسية. يعكس هذا التحدي الواقع في السودان بوضوح بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بعمر البشير عام 2019، والتي أثارت آمالًا عريضة بإرساء حكومة مدنية عبر انتقال تفاوضي.

ومع ذلك، واجهت المرحلة الانتقالية صعوبات كبيرة بسبب النفوذ المتجذر للمؤسسة العسكرية والجماعات المسلحة. لقد كشف الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 عن خلل أساسي: إسقاط الحاكم المستبد لا يعني تفكيك البنى الاستبدادية.

تبع ذلك الصراع الدامي الذي اندلع في 15 أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ممتدًا من الخرطوم إلى أنحاء البلاد، وسبب معاناة هائلة للمدنيين ونزوحًا واسع النطاق وانعدام الأمن الغذائي. وبحلول عام 2026، وصفت الأمم المتحدة السودان بأنه يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يحتاج نحو 34 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية بينما فر أكثر من 4.5 ملايين إلى خارج الحدود.

ولذلك، يجب أن تنطلق الديمقراطية بعد الحرب من تأسيس ظروف سياسية تتيح المنافسة السلمية. وعليه، فإن الخطوة الأولى نحو الانتقال الديمقراطي في السودان تتمثل في إقامة سلطة مدنية حقيقة على المؤسسات العسكرية.

فلا يمكن لدولة أن تكون ديمقراطية حقًا ما لم يكن أقوى الفاعلين فيها خاضعين للمساءلة المدنية. ويجب أن يشعر المواطنون بالقدرة على المشاركة في تحديد مستقبلهم دون الخوف من ردود الأفعال العنيفة أو خسارة نفوذهم.

يتطلب بناء ديمقراطية سودانية جديدة تفويضًا من جميع الأطراف بما في ذلك المؤسسة العسكرية والسياسيين والمجتمع المدني. يجب أن يدرك الجميع أن السلطة في النهاية تعود للمدنيين، ويجب أن يتحول هذا الفهم إلى واقع سياسي ملموس.

وأخيرًا، ينبغي أن يمتد مفهوم الديمقراطية ليشمل المجتمعات المحلية. فالديمقراطية لا تصمد إذا كانت مقتصرة على العاصمة فقط، بل يجب أن تمتد إلى القرى والبلديات والنقابات والمجتمعات المحلية، مما يعزز من عملية المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار. ويتضح من ذلك أنه مع تعدد القوميات والمناطق، فإن اللامركزية مطلوبة لبناء مجتمع مستقل وقادر على إيصال صوته بشكل فعال.

قد يعجبك ايضا
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com