اعتمد مجلس الأمن الدولي، يوم الخميس، مشروع قرار أمريكي يقضي بتمديد العقوبات المفروضة على السودان لمدة شهرين، حتى 11 ديسمبر المقبل، مع تمديد ولاية فريق الخبراء المساعد حتى 11 يناير 2027. جاء التصويت بالإجماع من الأعضاء الخمسة عشر، لكن هذا الإجماع يبدو ظاهريًا، إذ يكشف خلفه معركة دبلوماسية حقيقية، انتهت بتخلي واشنطن عن مسودة كانت تهدف لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع الأراضي السودانية، وتطبيقه على جميع الأطراف، بالإضافة إلى معالجة ملف الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
هذا التمديد لم يكن قراراً عادياً، بل جاء نتيجة فشل المسودة الأمريكية السابقة في الحصول على توافق. وبعد أسابيع من المفاوضات، واجهت واشنطن جبهة رافضة ضمت الدول الأفريقية الثلاث غير دائمة العضوية (الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، والصومال) إلى جانب روسيا والصين وباكستان، التي أيدت جميعها تمديد نظام العقوبات لمدة عام بصيغته الحالية، مع إبقاء حظر الأسلحة مقصوراً على إقليم دارفور.
الإشكالية الأساسية التي أدت إلى فشل المسودة الأمريكية كانت في وضعها الجيش السوداني، وهو مؤسسة دستورية تدافع عن الدولة، على قدم المساواة مع مليشيا الدعـم المتمردة. هذا التكافؤ، الذي رفضه السودان وحلفاؤها، وجد صدى واسعاً في مجلس الأمن، إذ اعتبرت دول عديدة أن فرض حظر شامل سيقيد قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها في وقت تتدفق فيه الأسلحة إلى المليشيا عبر شبكات إقليمية.
كما أن تركيز المسودة على الطائرات المسيّرة أثار تحفظات روسية وصينية، باعتبار ذلك انتقائيًا. فالمسيرات ليست سوى جانب واحد من النزاع، ومن الخطأ تحميلها مسؤولية استمرار الحرب، في حين تغض المسودة الطرف عن مصادر الإمداد الخارجية التي تغذي المليشيا.
من وجهة نظر الهدف المعلن لواشنطن، الذي يتمثل في توسيع العقوبات وربط الجيش والمليشيا، يبدو أن ما حدث يمثل تراجعًا تكتيكيًا واضحًا. إذ لم تحقق الولايات المتحدة ما سعت إليه، واضطرت لقبول تمديد فني قصير لمدة شهرين فقط، بعد تمديد سابق لمدة شهر واحد. وهذا يُظهر أنها لم تنجح في فرض رؤيتها، وأصبحت تتعامل مع الأمر من منظور إدارة الخلاف بدلاً من حسمه.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار ما حدث هزيمة نهائية. فالتمديد لشهرين بدلاً من عام كامل كما رغبت روسيا والدول الأفريقية يمنح واشنطن فرصة جديدة لمواصلة الضغط، وإعادة طرح مسودتها بصيغ معدلة. وكونها الجهة المسؤولة عن ملف العقوبات يتيح لها قدرة التحكم في جدول الأعمال وصياغة القرارات. كما أن نظام العقوبات نفسه لم يسقط بفشل المسودة، بل ظل سارياً، وإن كان مقتصراً على دارفور.
من المرجح أن ما حدث ليس نهاية المعركة، بل بداية جولة جديدة. خلال الشهرين المقبلين، ستسعى واشنطن لاستغلال فشل المسودة السابقة لصياغة مقترح جديد، يُرجح أن يركز على موضوع الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية من قبل الجيش، وهو ما بدأت واشنطن التحضير له ضمن أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي.
كما قد تلجأ واشنطن إلى الضغط على الدول المترددة، خاصة الأفريقية، عبر قنوات دبلوماسية أو اقتصادية. وفي المقابل، ستواصل روسيا والصين ودول أفريقية التمسك بموقفها الرافض لأي توسيع، مستندة إلى مبدأ احترام السيادة السودانية وضرورة عدم المساواة بين الجيش والمليشيا. وإذا بقيت هذه الجبهة متماسكة، ستتمكن من إحباط أي محاولة أمريكية جديدة لتوسيع الحظر.
بالنسبة للسودان، فإن التمديد الحالي يمثل انتصارًا مؤقتًا للدبلوماسية، إذ استطاعت تجنيب جيشها حظراً شاملاً كان سيضعفه في مواجهة المليشيا. إلا أن هذا الانتصار يظل هشًا، إذ يبقى نظام العقوبات ساريًا، وولاية فريق الخبراء مستمرة، مما يعني أن ملف السودان سيظل مفتوحًا على طاولة مجلس الأمن، وقد يعود إلى الواجهة في ديسمبر المقبل بسيناريوهات أكثر تعقيدًا.
الأهم من ذلك، أن هذا القرار لا يغير شيئًا على الأرض. فالحرب مستمرة على جميع الجبهات: كردفان، دارفور، والنيل الأزرق. الجيش يتقدم، والمليشيا ما تزال تتلقى الدعم عبر الحدود، رغم حظر السلاح والقرارات التي تصدر في نيويورك. وهذا يعني أن المعركة الحقيقية ليست في أروقة مجلس الأمن، بل في الميدان، حيث يحسم الجيش السوداني معركته ضد المليشيا بسلاحه وإرادته، لا بقرارات التمديد والعرقلة.
