من شرفة الأمم المتحدة في نيويورك إلى دهاليز الكونغرس في واشنطن، يواجه السودان تحديات جسيمة في إطار الحديث عن الاستثمار شرطاً. في الأسبوع الماضي، أكد وزير المالية السوداني د. جبريل إبراهيم خلال حوار وزاري لمجموعة V20 في بانكوك، على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي، أن “السودان يواجه الحرب والمناخ معاً، ونحتاج إصلاح التمويل والانتقال من التعهدات إلى التنفيذ”.
وفي تقرير IPC المدعوم من الأمم المتحدة، تم الكشف عن أن نصف الأراضي الزراعية في السودان تتعرض للجفاف بسبب ظاهرة النينيو، مما يهدد الأمن الغذائي للبلاد. وتوضح البيانات أن 64% من أراضي شمال دارفور تعاني من نقص المياه، وأن الأمطار في سبتمبر قد فشلت في إنعاش الأراضي. وقد جاء التحذير من أن تأثير الجفاف والنزاع قد يدفع السودان إلى مرحلة المجاعة IPC 5.
من واشنطن، أعلن الكونغرس عن مشروع جديد بعنوان “الاستثمار في السودان – الزراعة والتعدين”، ملحق بقانون PEACE in Sudan Act الذي يقوده السيناتور جيم ريش وجين شاهين. ويبدو أن هذا المشروع يعكس تحركاً واضحاً في سياق تكريس شراكة اقتصادية مشروطة لحماية المصالح الأمريكية في السودان.
تشير الأكاذيب المروجة من واشنطن إلى أن ما يوصف بالاستثمار هو في الواقع وصاية اقتصادية مشروطة بثلاثة أقفال: أولها “قفل المحاسبة” الذي يشترط تقييم تصنيف الجيش والدعم السريع ككيانات إرهابية، والثاني “قفل الذهب القانوني” الذي يحدد شروط تصدير الذهب بشهادة على نقائه، والثالث “قفل وقف إطلاق النار” الذي يربط التمويل الزراعي باستراتيجية سياسية تعتمدها وزارة الخارجية الأمريكية.
إضافة إلى ذلك، تتساءل الأوساط: لماذا الآن؟ يبدو أن السبب يعود إلى الصراع المحتدم بين واشنطن وبكين على موارد المعادن، حيث أعدت أمريكا ميزانية بقيمة 2.5 مليار دولار لحماية مصالحها في منطقة غنية بالموارد كالسودان. وفي سياق ذلك، تحاول واشنطن استغلال تقرير IPC كذريعة للبحث عن بدائل غذائية، في الوقت الذي تشترط فيه تمويل الزراعة المطرية.
ولتحدي هذه الشروط، يقترح بعض المختصين ضرورة الرد من الجانبين الأمريكيين، حيث يمكن أن يوجه السودان طلبه للحصول على تمويل غير مشروط للمناخ، مع ضرورة تحويل الأزمات المناخية إلى أداة ضغط لتحقيق شروط أفضل للتعاون. كما من الممكن العمل على قانون محلي للذهب يحدد شروطاً للعمل دون التقيد بمتطلبات واشنطن. كل هذا يأتي في إطار معركة مستقبلية تفيض عن مجرد ضمان استثمار اقتصادي، بل تسعى لتعزيز السيادة الوطنية ومد الجسور مع المجتمع الدولي بطريقة متوازنة.
