رياضةمقالات الراى

لماذا يدفع المشجع السوداني ثمن “خيبات الداخل” و”فساد الخارج”؟

بقلم: عبد الحليم يعقوب

 

لم تكن صافرة نهاية مباراة الهلال ونهضة بركان مجرد إعلان عن خروج فريق من بطولة إفريقية، بل كانت لحظةً كشفت حجم “الصبر الجميل” الذي تحلى به المشجع السوداني لسنوات. ما شهدته منصات التواصل الاجتماعي عقب المباراة من “موجة سخط” جماعية، وإعلان البعض اعتزال متابعة الأندية المحلية، لم يكن مجرد انفعال عابر، بل هو صرخة احتجاج على واقع كروي بات يستنزف الأعصاب ويحرق التطلعات دون نتائج توازي هذا العطاء الجماهيري المنقطع النظير.

 

انكسار المشجعين.. حين يتجاوز الإخفاق حدود الاحتمال

 

لقد وصلت الجماهير إلى مرحلة من اليأس الكروي بسبب تكرار السيناريوهات الحزينة؛ فحين يقرر مشجع الابتعاد عن متابعة الكرة المحلية والتركيز على شؤون حياته، وحين يكتب آخر أن “القلب لم يعد يحتمل المزيد من الانكسار”، فنحن أمام أزمة ثقة حقيقية. هذا الابتعاد ليس لأن الانتماء زال، بل لأن “النفس البشرية” تمل من تكرار الوعود التي تتبخر عند عتبة الأدوار الحاسمة، ولأن المشجع بات يشعر أن جهده وعاطفته تذهب سدى في بيئة لا تُقدر حجم هذا الوفاء.

 

بيئة طاردة واتحادٌ بعيد عن مراكز التأثير

 

الحقيقة التي نواجها بمرارة هي أن الهلال يقاتل وحيداً في غابة إفريقية موحشة. فبينما تُحاط أندية القارة بحماية اتحاداتها الوطنية ونفوذها القوي، نجد الاتحاد السوداني لكرة القدم بعيداً تماماً عن القيام بدوره القيادي؛ فلم يلمس المتابع أي تحرك جاد لدعم ممثل البلاد أو التصدي للظلم التحكيمي الفاضح الذي تعرض له الهلال. السودان، الذي وضع حجر الأساس للاتحاد الإفريقي “الكاف”، بات اليوم خارج دوائر الفعل، وصوته خافت في مكاتب القرار، مما جعل حقوق أنديتنا تضيع بدم بارد أمام تكتلات قارية تعرف كيف تحمي مصالحها خارج الخطوط.

 

المسؤولية الإدارية.. الثبات في وجه العاصفة

 

لقد رأينا ردود فعل انفعالية حتى داخل الهيكل الإداري، ورغم أن الغضب مشروع أمام الظلم، إلا أن الاستقالات أو التلويح بالاعتزال في هذه اللحظات الحرجة قد لا يخدم المنظومة. الهلال اليوم لا يحتاج لمن يغادر السفينة عند أول عاصفة، بل يحتاج لمن يقاتل لاختراق هذه المنظومة المهترئة وبناء نفوذ إداري يحمي عرق اللاعبين وجهد الإدارة. حماية حقوق الهلال تبدأ من امتلاك “كلمة مسموعة” وقوية في أروقة “الكاف”، وهذا يتطلب عملاً مؤسسياً يتجاوز مجرد ردود الفعل الغاضبة.

 

مشرط الجراح.. النواقص الفنية وضرورة “المدير الرياضي”

 

وبعيداً عن شماعة التحكيم، يجب أن نواجه عيوبنا الفنية بشجاعة؛ فالهلال رغم تطوره الواضح، لا يزال يعاني من ثغرات دفاعية قاتلة في اللحظات الحاسمة. الفريق يحتاج لقلب دفاع “قائد” يضبط الإيقاع، ويحتاج لصانع لعب مبتكر، ومهاجم قناص يترجم أنصاف الفرص إلى أهداف. المخرج الحقيقي ليس في تغيير المدرب فحسب، بل في التعاقد مع “مدير رياضي محترف” يمتلك سيرة ذاتية عالمية، ليتولى هندسة الفريق بأسلوب علمي بعيداً عن العاطفة، ويضع استراتيجية طويلة الأمد تضمن استدامة النجاح.

 

خلاصة الوجع.. الهيبة وحدها لا تأتي بالكؤوس

 

إن المقارنة بين جماهير الأندية الإفريقية الكبرى وجماهير الهلال في تقبل الخسارة هي مقارنة غير موضوعية؛ فالأندية المستقرة تنام على وسادة من الألقاب والسطوة الإدارية، بينما يكتوي المشجع الهلالي بنيران الظلم التحكيمي والشرود الذهني للاعبين في الدقائق القاتلة. الهلال كسب “الهيبة” وأجبر القارة على احترامه فنياً، لكن هذه الهيبة يجب أن تُتوج بالبطولات، وهذا لن يحدث إلا بتكامل الجانب الفني مع الحماية الإدارية القوية.

 

الرسالة الآن واضحة: الاعتذار للجماهير واجب، والغضب مبرر، لكن الهدم ليس حلاً. الهلال يحتاج لرجال يقاتلون في المكاتب بنفس القوة التي يقاتل بها اللاعبون في الميادين. الهلال لم ينتهِ، ولكن الكرة السودانية تحتاج لثورة إدارية تقتلع الضعف من جذوره، لتعود لجماهيرنا الابتسامة التي سُرقت منها في غفلة من الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com