عثمان ميرغني يكتب: الكهرباء.. من محنة إلى منحة

لا تزال الكهرباء مشكلة الوطن والمواطن. كانت في أسوأ أوضاعها قبل الحرب، ثم جاءت «الطوبة في المعطوبة» فدمرت قطاعاً لم يكن ينقصه التدمير.
الإيقاع الراهن للخروج من الحفرة في قطاع الكهرباء بطيء للغاية، بل ومهدد حقيقي للأمن القومي للبلاد، كون الاقتصاد وحياة الناس، وحتى نجاح التلاميذ في الامتحانات، يعتمد عليه. وللأسف، علاوة على السلحفائية، يغيب عنه التخطيط الذي يسهل المتابعة والمحاسبة على التقصير.
القاعدة الأولى التي يعلمها كل منسوبي قطاع الكهرباء أنه لا يمكن مطلقاً تطويره، أو حتى المحافظة على أدنى مقوماته، إلا وفق خطة طويلة ومتوسطة الأمد. فمشروعات الطاقة تستلزم وقتاً ومالاً وجهداً لا يتحقق بين ليلة وضحاها.
مشروعات الكهرباء الأساسية (مشروعات الطاقة الأول والثاني والثالث والرابع) كانت كلها قروضاً وهبات خارجية، ولم تكن تكفي البلاد وفق معادلة نمو الطلب في القطاعات السكنية والصناعية والزراعية.
وفي فترة قصيرة، عند رئاسة المهندس مكاوي محمد عوض للكهرباء، استطاع وفق خطة محكمة وإدارة علمية صارمة تحقيق نجاحات كبيرة في مجالات التوليد والنقل والتوزيع والرقمنة، بل زاد عليها بشبكة اتصالات خاصة بالهيئة القومية للكهرباء استفادت من خطوط النقل الكهربائي.
خلال السنوات الثماني الماضية غاب التخطيط تماماً، وصار القطاع يأكل من سنامه على صغر حجمه، واتُخِذت قرارات كارثية أدت إلى تدهور التوليد بصورة كبيرة. ثم اجتاحت سيول التسييس القطاع بعد انتصار ثورة ديسمبر، فأكملت مهمة تدمير ما تبقى منه.
الحرب دمرت قطاع الكهرباء بصورة وحشية. وحتى الولايات التي سلمت منها – مثل نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر والنيل الأبيض – أو التي استعادها الجيش – مثل الخرطوم والجزيرة – عانت من هجمات الطيران المسير الذي استهدف محطات التوليد والمحولات الرئيسية وخطوط النقل والتوزيع.
كتبتُ كثيراً أقترح إعادة هيكلة القطاع بصورة جذرية بحيث يستوعب أكبر قدر من شراكات القطاع الخاص في كافة مراحل التوليد والنقل والتوزيع، وفتح المجال للاستثمار الأجنبي فيه.
ولتحقيق ذلك، اقترحتُ إنشاء “المجلس الأعلى للطاقة” ليحكم كافة أنواع الطاقة، بما فيها المتجددة: الشمسية والرياح وغيرها.
تنحصر مهام المجلس الأعلى للطاقة في تنظيم القطاع والإشراف والمتابعة والرقابة لضمان أفضل أداء ومواصفات.
يساعد ذلك في التوسع في مجالات الطاقة الشمسية، التي يتوفر للسودان فيها ميزة نسبية عالية بفضل موقعه الجغرافي المشمس.
وفق حسابات استقيتها من مصادر خبيرة في القطاع، من الممكن التطلع إلى قفزة هائلة في التوليد قد تبلغ 30 غيغاوات خلال الفترة حتى نهاية العام 2030.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن السودان حقق تقدماً مقدراً في برنامج الطاقة النووية تحت رعاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، وكان متوقعاً إنتاج حوالي واحد ونصف غيغاوات بحلول 2031، لكن هذا البرنامج كان أيضاً من ضحايا تسييس القطاع بعد الثورة.
من الحكمة إعادة هيكلة الكهرباء قبل فوات الأوان.









