حظر الطيران فوق السودان.. حماية للمدنيين أم ورقة ضغط على الجيش؟

حظر الطيران فوق السودان.. حماية للمدنيين أم ورقة ضغط على الجيش؟
عاد الحديث عن فرض حظر جوي على السودان إلى الواجهة، باعتباره أحد الخيارات التي قد تدخل ضمن التحركات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى الضغط من أجل وقف الحرب والوصول إلى تسوية سياسية بين أطراف الصراع.
ويرتبط هذا الطرح بالتحركات التي يقودها مسعد بولس في إطار الجهود الأمريكية الرامية إلى دفع طرفي الحرب في السودان نحو وقف القتال والعودة إلى المسار السياسي.
لكن فرض منطقة حظر جوي فوق دولة تشهد حرباً داخلية لا يمثل قراراً فنياً بسيطاً، بل يتطلب ترتيبات سياسية وقانونية وعسكرية معقدة، فضلاً عن الحاجة إلى غطاء دولي وآليات واضحة للتنفيذ. كما يمكن أن يصطدم أي قرار من هذا النوع بالمواقف المتباينة داخل مجلس الأمن، ولا سيما مواقف الدول دائمة العضوية.
هل يتحول الحظر الجوي إلى أداة ضغط؟
من المنظور السوداني، تبرز تساؤلات حول إمكانية استخدام فكرة الحظر الجوي كوسيلة ضغط سياسي أو عسكري على القوات المسلحة السودانية، خصوصاً إذا أدت القيود المفروضة على المجال الجوي إلى التأثير في قدرتها على تنفيذ عملياتها العسكرية.
ويؤكد هذا الطرح على ضرورة التمييز بين حماية المدنيين وسلامة الطيران المدني من جهة، وبين التدخل المباشر أو غير المباشر في مسار العمليات العسكرية من جهة أخرى.
فحماية المدنيين هدف مشروع لا خلاف عليه، لكن تحويل المجال الجوي إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة على الأرض قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وعسكرية أكثر تعقيداً.
كما أن أي إجراء دولي يتعلق بالمجال الجوي السوداني يجب أن يراعي طبيعة الصراع القائم، وألا يؤدي بصورة غير مباشرة إلى منح أي طرف غير حكومي أفضلية عسكرية أو إلى الإخلال بتوازن الصراع.
ماذا يعني الحظر الجوي للطيران المدني؟
لا تقتصر تداعيات فرض قيود واسعة على المجال الجوي السوداني على الجانب العسكري فقط، بل يمكن أن تمتد مباشرة إلى الطيران المدني.
فأي منطقة حظر جوي أو قيود واسعة على حركة الطائرات قد تؤدي إلى تغيير المسارات الجوية، وزيادة تكاليف التشغيل والتأمين، وتقليص عدد الرحلات، وربما دفع بعض شركات الطيران إلى تعليق أو تقليص عملياتها من وإلى السودان.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع الطيران السوداني أصلاً من تداعيات الحرب وتضرر البنية التحتية وصعوبة تشغيل المطارات والخدمات المرتبطة بالنقل الجوي.
سيادة السودان على مجاله الجوي
تستند منظومة الطيران المدني الدولي إلى اتفاقية شيكاغو لعام 1944، التي تقر بسيادة الدول على المجال الجوي فوق أقاليمها، مع التزام الدول بقواعد ومعايير السلامة الجوية الدولية.
ولا يعني ذلك أن المجال الجوي للدولة بعيد عن التنظيم الدولي، إذ تخضع عمليات الطيران المدني لمجموعة واسعة من المعايير والإجراءات التي تهدف إلى ضمان سلامة الطائرات والمسافرين وتنظيم حركة الملاحة الجوية.
وتزداد أهمية هذه القواعد في الدول التي تشهد نزاعات مسلحة، حيث تصبح المعلومات المتعلقة بالمناطق الخطرة والتحذيرات الجوية وإدارة المخاطر عناصر أساسية لحماية الطائرات المدنية.
دور منظمة الإيكاو
ترتبط إدارة المجال الجوي وسلامة الطيران بعدد من المعايير والوثائق الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو».
ويشمل ذلك القواعد المتعلقة بخدمات الحركة الجوية وإدارة المجال الجوي، ونشر معلومات الطيران والتحذيرات المتعلقة بالمخاطر والقيود الجوية، إلى جانب المعايير الخاصة بسلامة المطارات وأمن الطيران.
ومن هنا، فإن أي إجراءات تتعلق بالمجال الجوي السوداني ينبغي أن تضع سلامة الطيران المدني في مقدمة الأولويات، وألا تتحول القيود الجوية إلى عبء إضافي على المسافرين وشركات الطيران والمطارات.
حماية المدنيين دون تحويل السماء إلى ساحة للصراع
المعادلة الأكثر حساسية تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين حماية المدنيين واحترام سيادة السودان على مجاله الجوي.
فالدفاع عن السيادة الجوية لا يعني تجاهل المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، كما أن حماية المدنيين لا تعني بالضرورة فرض إجراءات قد تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على إدارة مجالها الجوي أو في حركة الطيران المدني.
ولهذا فإن أي قرار دولي محتمل يجب أن يكون واضح الأهداف والآليات، وأن يميز بين الإجراءات المخصصة لحماية الطيران المدني وبين الإجراءات التي يمكن أن تؤثر في العمليات العسكرية.
كما يجب ألا تتحول المطارات وخدمات الملاحة الجوية والطائرات المدنية إلى أطراف غير مباشرة في الصراع.
هل الحظر الجوي قرار وشيك؟
من المهم عدم التعامل مع مجرد طرح فكرة الحظر الجوي باعتبارها قراراً وشيك التنفيذ.
فهناك مسافة سياسية وقانونية وعسكرية كبيرة بين طرح الفكرة ومناقشتها وبين إصدار قرار دولي وتوفير آلية لتنفيذه على أرض الواقع.
كما أن أي خطوة من هذا النوع ستحتاج إلى توافق دولي واسع، وقد تواجه اعتراضات سياسية وقانونية وعسكرية، خاصة في ظل تعقيدات الملف السوداني والانقسامات الدولية بشأن كيفية التعامل مع الحرب.
السودان أمام اختبار دبلوماسي
في المقابل، يحتاج السودان إلى تحرك دبلوماسي وفني نشط للحفاظ على مجال جوي آمن ومفتوح أمام الطيران المدني، مع التأكيد على سيادته وحقه في إدارة مجاله الجوي وفق القواعد الدولية.
ويتطلب ذلك تنسيقاً مستمراً مع منظمة الإيكاو والدول المعنية وشركات الطيران ومقدمي خدمات الملاحة الجوية، بهدف ضمان أعلى مستويات السلامة وتوفير المعلومات الدقيقة حول المخاطر الجوية.
فالطيران المدني السوداني لا ينبغي أن يدفع ثمن الحرب مرتين؛ مرة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتعطل حركة الطيران، ومرة أخرى نتيجة تحويل المجال الجوي إلى ورقة ضغط في الصراع السياسي والعسكري.
الخلاصة
الحديث عن حظر الطيران فوق السودان يفتح نقاشاً يتجاوز الجانب العسكري ليشمل السيادة الوطنية وسلامة المدنيين ومستقبل الطيران المدني السوداني.
حماية المدنيين وسلامة الطيران أهداف مشروعة وضرورية، لكن تحويل الحظر الجوي إلى أداة تستهدف طرفاً بعينه أو تعيد تشكيل ميزان القوى على الأرض سيكون مساراً مختلفاً تماماً.
والأولوية بالنسبة للسودان تتمثل في الوصول إلى سلام عادل ومستدام، وحماية المدنيين، والحفاظ على سيادته الجوية، وضمان استمرار الطيران المدني في أداء دوره الطبيعي في ربط السودان بالعالم.
وفي نهاية المطاف، فإن أي نقاش دولي بشأن الأجواء السودانية ينبغي أن ينطلق من قاعدة واضحة: حماية الطيران المدني نعم، واستخدام المجال الجوي السوداني كورقة ضغط في الحرب لا.

