مقالات الراى

لماذا ارتفعت أسعار تذاكر الطيران في السودان؟ قراءة اقتصادية في أزمة القطاع

لماذا ارتفعت أسعار تذاكر الطيران في السودان؟ قراءة اقتصادية في أزمة القطاع

كتب الأخ صلاح الصادق مقالاً مهماً تناول فيه أحد أخطر آثار الحرب والتدهور الاقتصادي على منظومة الطيران السوداني، والمتمثل في الانخفاض الحاد لقيمة الجنيه السوداني وما ترتب عليه من ارتفاع تكاليف التشغيل وأسعار تذاكر السفر، إلى جانب تراجع قدرة المواطنين على السفر وانحسار نشاط شركات الطيران الأجنبية.

وأتفق مع جانب كبير مما ذهب إليه، خاصة في توصيف الحلقة المفرغة التي باتت تحكم قطاع الطيران:

ارتفاع التكلفة بالدولار → ارتفاع أسعار التذاكر بالجنيه → تراجع الطلب → انخفاض الإيرادات → تقليص الرحلات → انخفاض المقاعد المتاحة → ارتفاع الأسعار مجدداً.

لكن هناك جانباً آخر أعتقد أنه يستحق أن يُطرح للنقاش، وهو: هل يمكن استخدام «الدولار الحسابي» في بعض أنشطة الطيران، بدلاً من ترك القطاع رهينة للتقلبات اليومية في قيمة الجنيه السوداني؟

ما المقصود بالدولار الحسابي؟

الدولار الحسابي لا يعني اعتماد الدولار كعملة رسمية، ولا يعني مطالبة المواطن بالدفع بالدولار نقداً.

المقصود هو استخدام الدولار كوحدة حساب لبعض الخدمات والعقود التي ترتبط تكلفتها أساساً بالعملة الصعبة، على أن تتم التسوية الفعلية بالجنيه السوداني وفق سعر صرف مرجعي ومعلن.

فعلى سبيل المثال، إذا كانت تكلفة خدمة معينة تعادل 100 دولار حسابي، يمكن عند التسوية تحويل هذه القيمة إلى الجنيه السوداني وفق سعر الصرف المرجعي المعتمد في ذلك اليوم.

وبهذه الطريقة تصبح وحدة الحساب مستقرة نسبياً، بينما تتغير قيمتها بالجنيه تبعاً لتغير سعر الصرف.

أين يمكن تطبيق هذه الآلية؟

يمكن دراسة استخدام الدولار الحسابي في عدد من الأنشطة المرتبطة مباشرة بالعملة الأجنبية، من بينها:

  • رسوم الملاحة الجوية والعبور.
  • رسوم الهبوط والإيواء.
  • بعض خدمات المطارات.
  • الشحن الجوي.
  • عقود الصيانة والخدمات الفنية.
  • قطع الغيار.
  • التأمين وإعادة التأمين.
  • عقود إيجار الطائرات.
  • بعض العقود طويلة الأجل مع شركات الطيران الأجنبية.

كما يمكن بحث استخدام الدولار الحسابي في تسعير تذاكر السفر كوحدة حساب داخلية، مع استمرار بيع التذاكر للمواطن بالجنيه السوداني وفق سعر صرف مرجعي واضح ومعلن.

وهذا التفصيل مهم للغاية، لأن الهدف ليس فرض التعامل بالدولار على المواطن، في وقت يعاني فيه أصلاً من تراجع قدرته الشرائية.

وحدة حساب خاصة بالطيران

يمكن كذلك التفكير في إنشاء وحدة حساب خاصة بقطاع الطيران السوداني، وليكن اسمها:

وحدة حساب الطيران السوداني – Aviation Accounting Unit (AAU)

بحيث تستخدم هذه الوحدة في العقود والرسوم والخدمات التي ترتبط تكلفتها بالعملة الصعبة، بينما يتم الدفع الفعلي بالجنيه وفق آلية وسعر صرف مرجعي تحددهما الجهة المختصة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الفكرة باعتبارها حلاً للأزمة الاقتصادية، وإنما كأداة محتملة لإدارة مخاطر سعر الصرف وحماية اقتصاديات الطيران من الخسائر الناتجة عن التقلبات الحادة للعملة المحلية.

لكن الدولار الحسابي وحده لا يكفي

نجاح أي آلية من هذا النوع يتطلب وجود سياسة وطنية موحدة للطيران.

فلا يمكن معالجة الأزمة من خلال رفع شركة طيران أسعارها بمفردها، أو زيادة المطارات للرسوم، أو اضطرار شركات الطيران الأجنبية للبحث عن العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي.

المطلوب هو حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل:

تسعيراً واقعياً للخدمات، وسعر صرف مرجعياً واضحاً، وإعادة هيكلة بعض الرسوم، وتسهيل تحويل حصائل شركات الطيران الأجنبية، وتقديم حوافز لزيادة الرحلات، ودعم إعادة تشغيل الأسطول الوطني، وتشجيع المنافسة.

المواطن يجب أن يكون محور المعادلة

الأهم من كل ذلك هو وضع المواطن في مركز أي سياسة لإنقاذ قطاع الطيران.

فالطيران ليس مجرد خدمة ترفيهية في بلد يعيش حرباً ونزوحاً وتشتتاً سكانياً بهذا الحجم.

هناك مريض يحتاج إلى العلاج، وطالب يحتاج إلى السفر، وأسرة فرقتها الحرب، وموظف أو مهني يحتاج إلى الالتحاق بعمله، ومغترب يمثل مصدراً مهماً للعملات الأجنبية والتحويلات.

لذلك فإن ارتفاع أسعار تذاكر الطيران لا يعني فقط انخفاض عدد المسافرين، وإنما قد يؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي نفسه.

فالمغترب الذي كان يزور السودان مرتين أو ثلاث مرات سنوياً قد يؤجل سفره، والشركة التي كانت ترسل موظفيها جواً قد تقلل رحلات العمل، والمستثمر الذي يحتاج إلى نقل خبراء وموظفين قد يعيد حساباته، كما تصبح البضائع التي يمكن نقلها جواً أكثر تكلفة، وتتراجع فرص السياحة بصورة أكبر.

وهكذا يتحول ضعف قطاع الطيران من نتيجة للأزمة الاقتصادية إلى عامل إضافي في تعميقها.

إنقاذ اقتصاديات الطيران مسؤولية مشتركة

وهنا أعود إلى ما طرحه الأخ صلاح الصادق: الحل لن يكون في معالجة سعر التذكرة وحده، ولا في مطالبة شركات الطيران بتحمل الخسائر، ولا في تحميل المواطن وحده تكلفة انهيار الاقتصاد.

السودان بحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لإنقاذ اقتصاديات الطيران، تكون فيها احتياجات الإنسان محوراً أساسياً، وتستخدم فيها الأدوات الاقتصادية المتاحة بصورة مدروسة.

ومن بين هذه الأدوات، أرى أن فكرة الدولار الحسابي تستحق الدراسة والنقاش، ليس باعتبارها بديلاً للجنيه السوداني، وإنما كوسيلة محتملة لحماية الأنشطة المرتبطة بالدولار من التقلبات الحادة في سعر الصرف، مع الإبقاء على تعامل المواطن بالجنيه.

الطيران جزء من الاقتصاد وليس منفصلاً عنه

إنقاذ الطيران السوداني لا يبدأ فقط بإعادة الطائرات إلى المدرجات، وإنما يبدأ أيضاً بإعادة بناء اقتصاد الطيران نفسه.

فالطائرة لا تطير بالوقود وحده؛ فهي تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل صيانتها، وشراء قطع غيارها، وتأمينها، وتشغيل المطارات وخدمات الملاحة الجوية، والأهم من ذلك أن تكون تذكرة السفر في متناول المواطن.

ومن هنا، فإن ما طرحه الأخ صلاح الصادق لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد حديث عن ارتفاع أسعار تذاكر السفر، بل باعتباره دعوة إلى فتح نقاش أوسع حول مستقبل اقتصاد الطيران السوداني بعد الحرب.

فإعادة بناء قطاع الطيران يمكن أن تكون جزءاً من إعادة بناء الاقتصاد السوداني نفسه، لأن حركة الطائرات تعني حركة أشخاص وأموال واستثمارات وتجارة وتحويلات، وكلما تعافى الطيران، اتسعت قدرة الاقتصاد على استعادة جزء من نشاطه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com