حوار استراتيجي يجمع السودانيين حول مستقبلهم

طرحت الكاتبة لبنى أحمد حسين فكرة مبتكرة تتمثل في إمكانية بدء الحوار السوداني عبر تقنية “زووم”، على أن ينتقل لاحقاً إلى الحوار المباشر. هذه الفكرة تُبرز تساؤلاً مهماً حول كيفية اختصار الطريق نحو التوافق وتفادي أن يتحول الحوار إلى مؤتمر يستهلك الوقت والموارد دون نتائج ملموسة.
تحتاج بلادنا اليوم إلى حوار له بداية واضحة ومراحل محددة ونتائج يمكن قياسها. وبالتالي، فإن استخدام “زووم” يمكن أن يمثل مدخلاً عملياً يخفض المسافات السياسية قبل الجغرافية. إذ يمكن أن تبدأ السياسة من شاشة، شرط أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية وآلية مهنية تضمن تحقيق نتائج إيجابية.
الظروف اللازمة لخوض هذا المسار أصبحت متاحة، حيث شكلت لجنة لتيسير الحوار، وعقدت مؤتمرًا صحفياً برئاسة البروفيسور قاسم بدري. وبالتالي، يجب أن نتوجه للاستفادة من هذا الجهد وتطوير دوره، كما يُعتبر جزءاً من مسار تحضيري منظم، يجمع السودانيين ويهيئ للحوار دون مصادرة قراراتهم.
وقد أضاف وزير العدل ضمانات قانونية للمشاركين، استناداً إلى قرار الرئيس عبد الفتاح البرهان. هذه الضمانات تعد نقطة مهمة، إذ يسهم الشعور بالأمان السياسي والقانوني في توسيع مساحة المشاركة، ويمكّن من مشاركة قوى وشخصيات سودانية قد تعيقها ظروف الحرب أو تعقيدات السفر.
لكن النجاح يتطلب تنظيمًا جيدًا. يمكن أن تبدأ المرحلة الأولى بتقديم القوى السياسية والمجتمعية أوراقًا مكتوبة تحدد رؤاها ومواقفها، تليها جلسات افتراضية منظمة، يديرها لجنة التيسير. يتعين على كل جلسة أن تصل إلى مخرج واضح يحدد ما تم الاتفاق عليه، ونقاط الخلاف.
الحوار الافتراضي يجب أن يكون ورشة سياسية تهدف لصياغة الحد الأدنى من التوافق. تُجمع المخرجات في وثيقة تعاد للمشاركين للملاحظات، ثم تُحصَر القضايا التي تحتاج للنقاش المباشر. هكذا، عندما يحضر السودانيون للاجتماع المباشر، سيتمكنون من البدء من نقطة التوافق بدلاً من الانطلاق من الصفر.
يمكن تحديد جدولة زمنية واضحة؛ سبتمبر للتأسيس وتوسيع المشاركة، وأكتوبر للحوار الافتراضي، والنصف الأول من نوفمبر لصياغة وثيقة التوافق الأولية، والنصف الثاني لمراجعتها. وبداية ديسمبر تكون مخصصة للاجتماعات المباشرة وحسم القضايا العالقة، مع هدف انتهاء الحوار باتفاق مكتوب مطلع العام 2027 تزامناً مع أعياد الاستقلال.
لا يعني التوافق أن يتفق السودانيون في جميع الأمور، بل ينبغي أن يُحدد القواعد التي تحمي الدولة وتدير الاختلاف. التوافق المطلوب هو عدم وجود إقصاء سياسي بلا معيار وطني وقانوني، وعدم اعتماد الشرعية السياسية على السلاح.
نجاح الحوار يجب أن يُقاس بما يتركه في حياة السودانيين، وفي حال النجاح في إنتاج توافق يفتح الطريق لتحقيق هذه الأهداف، سيتحول الحوار إلى مشروع لإنقاذ الدولة.
وبالتالي، فإن انعقاد المرحلة الأولى عبر “زووم” ليس بديلاً للطاولة، بل وسيلة مختصرة تؤمن الوقت والجهد، تحت تنظيم لجنة التيسير وحماية الضمانات القانونية، لتعريف السودانيين بمساحات الاتفاق وقضايا الخلاف قبل أن ينتقلوا للاجتماعات المباشرة. يهدف هذا إلى حسم القضايا والتوافق قبل التوقيع في الفاتح من يناير 2027 لتكون وثيقة التوافق مرجعية لبرنامج وطني ملزم.











