اخبار السودان لحظة بلحظةالجمعة، 30 أكتوبر 2026
أخبار عاجلة

عندما تتحول الفكرة إلى قيد ثقيل

عندما تتحول الفكرة إلى قيد ثقيل

عندما تتحول الفكرة إلى قيد ثقيل

وصل أمس إلى الخرطوم الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، للانضمام إلى لجنة تهيئة الحوار السوداني، في لحظة مهمة تبحث فيها البلاد عن مخرج من أزمتها. إلا أن مشاركته تفتح بابًا للتأمل في معنى الحوار، فهل يكفي أن نجلس معًا لنصل إلى التفاهم، أم أن الخلافات التي سببها الصراع تحتاج إلى ما هو أعمق من مجرد الجلوس؟

اشتهر بركة ساكن بأعمال روائية تناولت الحرب والفقر والتهميش والتحولات الاجتماعية، وجعل من الكتابة نافذة للحديث عن الأمن والسلام. اليوم ينتقل إلى مساحة جديدة تتعلق بتهيئة الحوار حول مستقبل السودان. لكن هذا الانتقال لا يعني بالضرورة تغير مواقفه، ولا يفترض أن يتفق مع جميع الأطراف، بل يتيح لنا التأمل في المسافة بين التعبير عن القناعات والاستعداد للاستماع إلى ما وراءها، فالوطن يجمع الناس على المشتركات.

في روايته “مسيح دارفور”، تحضر الحرب باعتبارها تجربة إنسانية تكشف ما تفعله القوة حين تنفصل عن القانون والأخلاق. وقدّم ساكن صورة للجنجويد، واختزل موقفه الأخلاقي منهم في عبارة: “أهون للجمل أن يلج من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله”. في عالم الرواية، تظهر صورة هؤلاء كثيفي الشعر، تفوح منهم رائحة الموت، ولا يقيمون للدماء حرمة، مما يعكس ما يرتبط بهم في الذاكرة السودانية من عنف وترويع.

تتجاوز الكتابة حدود السرد لتصبح إدانة أخلاقية للعنف، حيث يتحول الجنجويد من مجرد طرف في الحكاية إلى رمز لمأساة عاشها السودانيون ولا تزال آثارها حاضرة في وعيهم السياسي والاجتماعي. وقد اتخذ ساكن مواقف نقدية من سلوك مليشيا الدعم السريع، وارتبط سلوك الجماعات المسلحة بمستقبل السودان. لذا، فإن مشاركته في تهيئة الحوار لا تلزمه بالتراجع عن مواقفه، بل تطرح سؤالًا حول المسافة بين الموقف الأخلاقي وإمكان البحث عن مخرج سياسي من الحرب وآلامها.

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تشكلت لدى قطاعات واسعة من السودانيين قناعة بأن انتهاكات مليشيا الدعم السريع تجعل قبولها شريكًا في مستقبل البلاد أمرًا صعبًا. وقد غذّت هذه القناعة وقائع دامية في الجنينة والفاشر وود النورة والهلالية والخرطوم، من قتل المدنيين والتهجير والنهب إلى الاعتداءات العرقية، التي وثقتها تقارير أممية وحقوقية، ووصفت بأنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لذا، ينبغي فهم مشاركة بركة ساكن في لجنة تهيئة الحوار السوداني في سياقها الصحيح. فالمليشيا ليست جزءًا من هذا الحوار وفق التصور الذي ينطلق منه هذا المسار، ولا يعني تهيئة الحوار منحها شرعية أو فتح الباب لتجاوز المسؤولية عن الانتهاكات. القضية المطروحة هي كيفية استعادة السودانيين لدولتهم وإنهاء الحرب ومعالجة أسباب انهيار الفضاء الوطني وتأسيس مستقبل يحفظ الحقوق ويمنع تكرار الحروب.

هنا، نستحضر مقاربة فريدريك نيتشه في نقد القناعات، فليست المشكلة في رسوخ الفكرة، بل في تحولها إلى حاجز يمنع صاحبها من رؤية الواقع وتجديد وسائل الفعل. فالثبات على حرمة الدم ورفض الظلم مبدأ، أما مراجعة الوسائل فليست تنازلًا عن الحقوق، بل سعيٌ إلى حمايتها بفاعلية.

فالفكرة لا تصبح قيدًا لأنها راسخة، بل حين تعجز عن تحويل الإيمان إلى سلوك عادل، والذاكرة إلى وعي يبني المستقبل ويحميه من تكرار المأساة. بهذا المعنى، لا تتناقض إدانة بركة ساكن لمليشيا الدعم السريع مع مشاركته في تهيئة الحوار، إذ إن الحوار المقصود ليس تفاوضًا على منح المليشيا مكانًا في مستقبل البلاد، بل سعيٌ إلى بناء توافق وطني حول الدولة والسلام والتعافي. والتحدي السياسي هو أن يتحول هذا المسار إلى فعل يعالج جذور الحرب، ويعيد بناء الدولة والمؤسسات، ويضمن حماية المدنيين.

لذلك في الحالة السودانية، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى الحوار إلى مطالبة الضحايا بنسيان ما حدث، أو مساواة المسؤولية عن الانتهاكات بمواقف من يطالبون بالمحاسبة. فالحوار الجاد لا يلغي العدالة ولا يعفي من المسؤولية، ولا يفرض على المجتمع التعامل مع العنف كأنه مجرد اختلاف في الرأي. لكنه يتيح مناقشة كيفية إنهاء الحرب، وبناء الدولة، وضمان ألا تتكرر الجرائم، ضمن مسار يحفظ الحقوق ويحدد المسؤوليات.

السودان، وفقًا لوجه الحقيقة، لا يحتاج إلى قناعات بلا جذور، ولا إلى مواقف مغلقة على المراجعة. فإدانة العنف والتمسك بالحقوق موقف أخلاقي، لكن التحدي يكمن في ألا تتحول المواقف إلى حواجز تمنع الحوار أو استيعاب تعقيدات الواقع. ومن هنا، لا تُقاس قيمة الفكرة بصلابة التمسك بها، بل بقدرتها على الجمع بين وضوح المبادئ ومرونة التفكير. فالفكرة لا تصبح قيدًا لأنها تدافع عن حق، بل حين تعجز عن التمييز بين ثبات المبدأ ومراجعة الوسيلة.

قد يعجبك ايضا
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com