نجح لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التأكيد على مسار استراتيجي يجمع السودان وروسيا. هذا اللقاء لم يكن معزولاً عن الجهود الدبلوماسية التي قادتها وزارة الخارجية بالتعاون مع الدبلوماسية الرئاسية، في فترة تولي الوزير علي يوسف، وتواصلت بعده مع خلفائه عمر صديق ومحيي الدين سالم.
تأسس هذا المسار على تقارب سياسي وتفاهمات متعددة، شملت اعتبارات الحرب والأمن القومي ومواقف البلدين في الساحات الدولية والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية في البحر الأحمر. ولعل فترة تولي السفير علي يوسف للوزارة من نوفمبر 2024 إلى أبريل 2025 كانت مرحلة فارقة في إدارة العلاقة مع موسكو. ففي تلك الفترة، استخدمت روسيا حق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار البريطاني في مجلس الأمن، وتوالت الاتصالات بين البلدين تكللت بزيارة يوسف لموسكو في فبراير 2025، حيث التقى بوزير الخارجية سيرغي لافروف، وأُعلن عن تفاهمات نوعية لتعزيز العلاقات، أبرزها التفاهم بشأن قاعدة الإسناد اللوجستي البحري الروسي على ساحل البحر الأحمر.
هذا التطور لم يكن بمعزل عن الصراعات السياسية والدولية التي يواجهها السودان، إذ حاولت البلاد إدارة شرعيتها ومواجهة طبيعة التسوية وحدود التدخل الخارجي. وبناءً عليه، فإن التعاون مع روسيا -وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن ومصالحها حيوية في البحر الأحمر- كان جزءاً من إدارة الصراع الدولي وليس مجرد بحث عن حليف.
ومع مرور الوقت، ودخول ملف قاعدة الإسناد اللوجستي في مرحلة تجميد الإجراءات في ديسمبر 2025، استمر وصف التعاون مع روسيا بأنه استراتيجي، دون خطوات عملية تُذكر. وتجدر الإشارة إلى أن قاعدة الإسناد اللوجستي لا تعني تلقائياً إقامة تحالف دفاعي ملزم أو تدخلاً عسكرياً مباشراً.
وفي القمة الأخيرة التي عُقدت في موسكو، عادت مسألة المصالح والشراكة لتكون محط اهتمام، حيث لم يقتصر البرهان على مناقشة التعاون العسكري، بل تناول مجالات تشمل التعدين وإقامة منطقة اقتصادية روسية وحلول لوجستية. من جهته، أبدى بوتين استعداد روسيا للتعاون في مجالات الصناعة والطاقة الرقمية والصحة والتعليم.
واستناداً إلى هذه الطروحات، تتجلى أهمية السؤال الاستراتيجي: كيف يمكن بناء شراكة اقتصادية ولوجستية مع روسيا بينما لا يزال ملف قاعدة الإسناد اللوجستي معلقاً؟ لا ينبغي اختزال قاعدة الإسناد كمعيار وحيد لنجاح العلاقات، ولكن هناك ضرورة لرؤية متكاملة تربط المصالح الأساسية للدولة.
يعتبر موقع السودان على البحر الأحمر رصيداً استراتيجياً يتجاوز كونه مجرد مجال للاستثمار، حيث يرتبط بأمن الملاحة وموازين القوى الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تأتي رؤية السفير علي يوسف بضرورة إعادة النظر في ملف قاعدة الإسناد، إذ تعكس خبرته في التعامل مع روسيا والتفاهمات التي تمت.
باختصار، فتحت زيارة موسكو أفقاً جديداً لتطوير العلاقات السودانية الروسية، ولكن لا بد من تحويل نتائجها إلى برنامج عمل واضح يتكامل فيه جميع الملفات. المطلوب هو شراكة محسوبة تعزز قدرة الدولة السودانية وتحمي مصالحها، دون أن تجعل قرارها الوطني رهينة للقدرات الخارجية.
