عاجل – جنوب السودان على حافة الانهيار. ..ماذا هناك ؟

تعيش دولة جنوب السودان أيامًا عصيبة أعادت إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية المريرة، حيث تشهد البلاد تصعيدًا عسكريًا خطيرًا على جبهات متعددة، ينذر بانهيار شامل للأوضاع الأمنية والإنسانية. ولم يعد دوي الانفجارات مقتصرًا على مناطق النزاع التقليدية، بل امتد ليشمل مناطق استراتيجية وحيوية، واضعًا اتفاق السلام الهش بين فرقاء السلطة على المحك، ومخلفًا وراءه كارثة إنسانية يدفع ثمنها المدنيون العزل.
وفي تطور لافت ينقل الصراع إلى مستوى إقليمي أكثر تعقيدًا، اشتعلت منطقة “هجليج” الغنية بالنفط، حيث دارت اشتباكات عنيفة بين الجيش في جنوب السودان وقوات الدعم السريع، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى. هذا الاحتكاك العسكري المباشر في منطقة حدودية حساسة لا يهدد فقط شريان الاقتصاد المتهالك للدولة الوليدة، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات مرعبة قد تجر المنطقة بأسرها إلى حرب مفتوحة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية المعروفة.
وبالتوازي مع اشتعال الحدود، تعيش ولاية جونقلي، شمال العاصمة جوبا، جحيمًا حقيقيًا. فقد تحولت مقاطعات “بيري” و”دوك” ومحيط مدينة “بور” إلى ساحات قتال مفتوحة، استخدمت فيها الأطراف المتنازعة القصف العشوائي والبراميل المتفجرة، في انتهاك صارخ لقوانين الحرب. وأمام آلة القتل هذه، لم يجد آلاف المدنيين ملاذًا سوى الفرار نحو المستنقعات الوعرة، مفضلين مواجهة قسوة الطبيعة ومخاطر الأوبئة على البقاء تحت رحمة القذائف التي لا تفرق بين مقاتل وطفل. وقد رسم الناجون صورًا مأساوية لرحلة الهروب، مؤكدين أن المستنقعات باتت “الملاذ الأخير” في وطن تضيق فيه سبل الحياة.
هذا الانفجار الميداني ليس معزولًا عن الأزمة السياسية الطاحنة التي تعصف بجوبا؛ إذ يرى المراقبون أن البلاد عادت فعليًا إلى “مربع الصراع الأول” عقب انهيار اتفاق تقاسم السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار. ويزيد من تعقيد المشهد توقيف مشار منذ مارس الماضي ومحاكمته بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، وهو ما أحدث فراغًا سياسيًا ملأته لغة السلاح، وأعاد إحياء الانقسامات القديمة التي كادت أن تمزق النسيج الاجتماعي للدولة عقب استقلالها.
وعلى الصعيد الإنساني، تبدو الصورة قاتمة للغاية؛ إذ كشفت تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن نزوح أكثر من 180 ألف شخص في ولاية جونقلي وحدها، في وقت باتت فيه مساحات واسعة من البلاد مناطق “حمراء” يصعب الوصول إليها. وتتحدث المنظمات الدولية، وعلى رأسها “أطباء بلا حدود” وبرنامج الأغذية العالمي، عن وضع كارثي حيث يواجه نحو 7.7 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. وقد وصل الانفلات الأمني إلى حد استهداف شريان الحياة الأخير للمتضررين، وتمثل ذلك في اختطاف طائرة مساعدات ونهب المرافق الصحية وإحراقها، مما يهدد بموت الآلاف جوعًا ومرضًا، خصوصًا بين الأطفال، في ظل صمت دولي وعجز محلي عن احتواء الأزمة.










