وقف الحرب واستعادة المسار المدني يتصدران أولويات التعاون مع المجتمع الدولي
تتقاطع التحركات الدبلوماسية الدولية بشأن الأزمة السودانية مع محاولات داخلية متجددة لاستعادة المسار المدني، حيث تسلط التطورات الأخيرة الضوء على العلاقة الوثيقة بين ترتيب البيت الداخلي وتغيير رؤية المجتمع الدولي تجاه الحرب التي تجاوزت عامها الثالث. وتكشف القراءة التحليلية للمشهد الراهن أن تراجع الاهتمام العالمي بملف التحول الديمقراطي لصالح الاكتفاء بالملف الإنساني ووقف القتال، يرتبط بشكل مباشر بمدى تماسك القوى المدنية السودانية وقدرتها على تقديم مشروع وطني موحد يفرض نفسه على المنظمات الدولية ومجلس الأمن.
وشهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حراكاً سياسياً بارزاً تمثل في اجتماع موسع لقوى مناهضة للحرب وغير مصطفة مع أي من طرفي النزاع. وضم هذا الاجتماع قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزبي المؤتمر الشعبي والأمة، إلى جانب شبكات نسوية وشبابية ومنظمات مجتمع مدني ونخبة من المفكرين والأكاديميين. وتوج اللقاء بإصدار وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب – عملية السلام التي نريد، والتي تزامنت مع عقد مجلس الأمن الدولي جلسة جديدة لمناقشة مستجدات الأوضاع في البلاد.
وتكتسب وثيقة أديس أبابا أهميتها من طرحها رؤية متكاملة تربط بين وقف القتال الفوري ومعالجة الكارثة الإنسانية، وبين رسم الخارطة السياسية لمستقبل البلاد. وتضمنت الوثيقة بنوداً تتصل باستعادة أهداف ثورة ديسمبر، وحفظ وحدة السودان، وبناء جيش وطني مهني وموحد، وتفكيك تمكين النظام السابق، وتحقيق العدالة الانتقالية. كما حددت الوثيقة دور القوات المسلحة والدعم السريع في المسارين الإنساني والأمني فقط، مع إسناد إدارة المسار السياسي واختيار السلطة الانتقالية إلى المكون المدني.
وتشدد القراءة السياسية لهذه الخطوة على ضرورة تجنب الأخطاء السابقة للعمل الحزبي والمدني، والمتمثلة في الانقسام المتكرر وتأسيس أجسام موازية عند حدوث أي تباين في الآراء. وتطالب الطروحات الوطنية بتوسيع قاعدة المشاركة في الوثيقة واستيعاب الملاحظات لبناء جبهة مدنية عريضة، إلى جانب دعوة القوى التي اصطفت مع أطراف النزاع المسلح إلى مراجعة مواقفها والعودة إلى الخيار السلمي، مع التأكيد على أن الحياد تجاه الحرب لا يعني عدم إدانة الانتهاكات وضمان المحاسبة عليها.
وعلى الصعيد الدولي، تتطلب مواجهة الروايات الرسمية المطروحة في المحافل الدولية عملاً دبلوماسياً مدنياً منظماً واستباقياً، بدلاً من الاكتفاء برود الأفعال أو تفنيد البيانات عقب صدورها. وتدعو الرؤية الشاملة إلى تفعيل التواصل مع جميع القوى الدولية المؤثرة، ولا سيما روسيا والصين لكونهما من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، فضلاً عن تعزيز التحرك الإقليمي عبر الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، والاستفادة من خبرات وطاقات الجاليات السودانية في المهجر لبناء شبكات ضغط شعبية ودبلوماسية داعمة لخيار السلام والتحول الديمقراطي.








