استقبل الدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية السوداني المبعوث الأممي بشكل يختلف عن اللقاءات السابقة، حيث وجد المبعوث نفسه أمام موقف واضح ومتماسك يمثل الرؤية السودانية.
بأسلوب سياسي واعٍ، أعاد د. جبريل توضيح دور المبعوث الأممي، مؤكداً أنه ليس وصياً على السودان أو لديه تفويض لإعادة صياغة مستقبله. وبالتالي، تحول اللقاء من منصة لاستعراض الرؤية الأممية إلى مناسبة لعرض الرواية السودانية.
بدأ د. جبريل بالإشارة إلى ضرورة الاعتراف بأن القوات المسلحة السودانية تعتبر مؤسسة وطنية، مسؤولة دستورياً عن حماية البلاد والدفاع عن سيادتها، مشدداً على رفض أي اقتراح بتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، وذلك لأنه يقيد قدرة الجيش على القيام بواجبه الوطني.
كما أشار إلى تناقض واضح في المطالبة بحماية الدولة بينما يتم تقييد قدرة الجيش على الحصول على السلاح، مؤكداً أنه لا يمكن اعتبار المؤسسة العسكرية والمليشيات المتمردة كطرفين متساويين في النزاع المسلح.
في ملف السلام، قدم د. جبريل رؤية تتمحور حول مسارين: أمني يعتمد على إعلان جدة، وآخر سياسي عبر حوار شامل لا يستثني أحداً. وجدد التأكيد على أن السلام لا يمكن أن يتجاهل الواقع العسكري أو ينجح دون معالجة جذور الحرب وترتيباتها الأمنية.
كما طالب بدعم الأمم المتحدة للحوار السوداني، مع التأكيد على ضرورة أن يبقى الحوار ملكية سودانية. وشدد على أن دور المجتمع الدولي يجب أن يقتصر على مساعدة السودانيين في الوصول إلى توافق، وليس وضع أجندة أو تقرير مستقبل البلاد نيابة عنهم.
لم يتحدث د. جبريل فقط باسم حركة العدل والمساواة، بل قدم رؤية تلتقي مع جوهر مشروع الدولة، حيث جدد التزام الحركة بدمج قواتها في القوات المسلحة، مشيراً إلى أن نهاية تعدد الجيوش يجب أن تكون جزءاً من أي سلام حقيقي ومستدام.
لذا، تكمن أهمية اللقاء في اختلاف موازين الحديث، حيث وجد المبعوث الذي جاء للاستماع، أمام مسؤول سوداني يضع حدود الدور الدولي وثوابت الدولة.
في خلاصة القول، لم يرفض د. جبريل المبعوث أو السلام، لكن رفض أن تتحول مهمته إلى وصاية أو أن تُعتبر الأمم المتحدة طرفاً في تحديد مستقبل السودان. هذه المرة، كان على المبعوث أن يستمع للسودانيين وهم يوضحون له ما يريدون.
