أصدر المفكر ألكسندر دوغين في كتابه “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة – عصر الإمبراطوريات الجديدة” تساؤلات مهمة للعالم العربي والسودان، تتمثل في السؤال: أين يقف السودان في خريطة المصالح والنفوذ المتغيرة؟
يؤكد دوغين أن العالم يشهد حالياً تحولاً نوعياً في الصراع بين القوى الكبرى، حيث لا تتنافس فقط الشرق والغرب، بل تظهر فضاءات حضارية واقتصادية جديدة. في ظل هذا التحول، تصبح الجغرافيا والموارد أدوات هامة في رسم ملامح النفوذ.
تتجلى أهمية السودان في موقعه الجغرافي الفريد، كحلقة وصل بين البحر الأحمر والقرن الإفريقي وأعماق القارة الإفريقية والعالم العربي. هذا الموقع يعزز من اهتمام القوى الدولية والإقليمية بالسودان، التي ترى في البحر الأحمر ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة.
ومع ذلك، فإن الجغرافيا وحدها ليست كافية لصنع القوة. صحيح أن السودان يمتلك موقعاً استراتيجياً وموارد زراعية وحيوانية وفيرة، لكن التحدي يكمن في كيفية استغلال هذه المزايا ضمن إطار مشروع وطني متكامل بمعايير مؤسسية واقتصادية واضحة.
يدعو دوغين إلى أهمية أن تمتلك الدولة رؤيتها الخاصة للعالم، محذراً من أن الدولة التي لا تنتج رؤيتها قد تصبح جزءاً من رؤية الآخرين. وهذا هو السؤال المحوري للسودان: هل يمكنه التحول من كونه ساحة لصراعات المشاريع الإقليمية والدولية إلى دولة تمتلك مشروعها الوطني الخاص؟
في عصر الشبكات، يعد التحكم في المعرفة والإعلام حيوياً مثل السيطرة على الموارد. لذا يتعين على السودان أن يطور آليات تعرفه بما يحقق مصلحته الوطنية، مع ضرورة وجود نخبة قادرة على صناعة الرؤية بدلاً من الاكتفاء برد الفعل.
المطلوب هو استقلالية القرار الوطني، والتعامل مع القوى الكبرى بما يخدم مصالحه، مع الاستفادة من تعددية مراكز القوة العالمية. الدرس المحوري في كتاب دوغين يتمثل في فهم كيفية ربط القوى الكبرى بين الجغرافيا والاقتصاد والإعلام.
ويلزم التساؤل: هل يمتلك السودان جغرافيا استراتيجية تؤهله ليصبح قوة اقتصادية وسياسية ومعرفية في النظام العالمي الجديد؟ ليس مطلوباً من السودان أن يصبح إمبراطورية جديدة، بل أن يعرف قيمة موقعه، وأن يُحسن إدارة موارده ليصنع مستقبله بنفسه.
