تواجه أسعار المواد الأساسية في السودان تحديات كبيرة، حيث أصبح الرغيف مصدر تهديد للأسر، وأصبح سعر الخضروات المستوردة أرخص من تلك المنتجة محليًا، بينما تتآكل قيمة العملة يومًا بعد يوم. هذا الوضع يبرز خللاً في السياسات الحكومية التي يجب أن تحمي الإنتاج وتضبط الأسعار وتحافظ على معاش الناس.
يتعين على حكومة كامل إدريس أن توضح خطتها لاحتواء التضخم، كما يجب أن تسلط الضوء على سياساتها لخفض تكاليف الإنتاج ومعالجة معاناة المواطنين وكبح الاحتكار واستعادة الثقة في الجنيه. ورغم تأثير الحرب التي بدأت في أبريل 2023، فإنها لا تمنح الحكومة حصانة من المحاسبة أو تعفيها من مسؤوليات إيجاد حلول فعالة.
في وادي حلفا، تظهر أسعار السلع مفارقات تستحق النظر، حيث يبلغ سعر كيلو الطماطم المستورد نحو عشرة آلاف جنيه، بينما يصل سعر المحلي إلى ثلاثين ألفًا، والبطاطس المصرية بخمسة آلاف جنيه مقابل ثمانية آلاف للمحلية، والليمون المصري بعشرة آلاف مقابل ثلاثين ألفًا للمحلي. يبقى السؤال: كيف تصل هذه السلع المستوردة بأسعار أقل بكثير من المحلية؟ هل يعود ذلك إلى كلفة الإنتاج، أم إلى تعدد الرسوم والجبايات، أم إلى اختلال سلاسل التوزيع؟
تزداد حدة الأزمة عند الحديث عن رغيف الخبز، الذي يعتبر أساسًا يوميًا لملايين الأسر. فقد أصبح سعر القطعتين اليوم ألف جنيه، ومن المحتمل أن يرتفع سعر القطعة الواحدة إلى ألف جنيه قبل نهاية العام إذا استمرت الأوضاع كما هي. هذا الأمر يشكل تهديدًا للأمن الغذائي ويظهر مسؤولية الدولة في حماية المواطنين من اتساع دائرة الفقر.
رغم أن آثار الحرب تضغط على الإنتاج والتجارة، إلا أن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها. يجب على الحكومة أن تظهر قدرتها على إدارة الموارد والتخفيف من أعباء الأزمة، بدلاً من الاكتفاء بتبرير أسبابها في الوقت الذي تتآكل فيه القدرة الشرائية للمواطنين.
تستذكر الذاكرة الشعبية عبارة “التسعيرة يا أبو حريرة” التي ارتبطت بجهود الدولة لحماية المستهلك. المطلوب الآن هو استعادة فلسفة المسؤولية العامة عبر إقامة سوق تنافسي لا يحتكره النافذون، ودعم المنتجين والمستهلكين على حد سواء. الحرية الاقتصادية لا تعني غياب الدولة، بل تستوجب وجود قواعد عادلة تطبق على الجميع.
هناك حاجة ملحة لابتكار خطة تنفيذية لضبط السوق، تبدأ بغرفة عمليات تضم الوزارات المعنية وبنك السودان، تراقب الأسعار الأساسية وتكاليف إنتاجها. يتوجب أيضًا مراجعة الرسوم والجبايات، ومحاربة الاحتكار والتلاعب بالفواتير، وتوفير قنوات لشكاوى المواطنين.
بالنسبة للخبز، يجب تأمين الدقيق والوقود والمدخلات اللازمة، ومراجعة التكلفة والوزن والجودة بشفافية. الأعتماد على التمويل للموسم الزراعي وتوفير التقاوي والأسمدة مع إزالة الرسوم المتعددة على المنتجات بين الولايات أمر ضروري. كما يجب التنسيق بين السياسيتين المالية والنقدية للتقليل من تأثير التضخم على المزارعين.
في ختام المطالبات، يظهر الغلاء كأزمة دولة عندما تنخفض قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت لا ترتقي فيه السياسات للحد من هذه المخاطر. يتعين على حكومة كامل إدريس اتخاذ خطوات مباشرة وملموسة لإزالة الاختلالات وضمان استقرار الأسعار، فالدولة التي لا تحمي إنتاجها وتضبط السوق تترك مواطنيها رهن الظروف الصعبة.
