أفادت صحيفة التيار بأن الأستاذ عثمان ميرغني تناول في عموده “حديث المدينة” مآلات الحوار السوداني–السوداني، مشيراً إلى سيناريوهات متعددة قد يفرزها المؤتمر المرتقب، وهي: النجاح المؤثر، الجمود، والانفضاض. وقد اعتبر نجاح الحوار مرهونًا بوصول الأطراف إلى وثيقة توافق وطني وتشكيل هيئة تشريعية انتقالية.
يبدو أن التركيز ينبغي أن ينتقل من مجرد انعقاد المؤتمر إلى نتائج وثمار هذا الحوار. وفي تقدير الكاتب، فإن السيناريو الذي يحمل إمكانيات النجاح الأكثر جدوى هو سيناريو النجاح المؤثر، في ظل الآثار السلبية للحرب وضعف الأداء والضغوط الخارجية، ما يستدعي العودة إلى بناء حد أدنى من الشرعية السياسية واستعادة فعالية المؤسسات. لكن يبقى السؤال المركزي: ما هو نوع التوافق المرغوب، وعلى أي أسس ستُبنى الهيئة التشريعية؟
التوافق يتجاوز مجرد تجمع الأطراف حول طاولة واحدة أو توزيع المقاعد وفق الأوزان الخاصة بكل طرف. بل يتعلق الأمر بإدارة المصالح والتباينات ضمن مرجعية وطنية تضع مصلحة البلاد فوق حسابات المكونات المختلفة. لذا، يتعين التمييز بين توافق يفتح أفقًا لمرحلة جديدة ومحاصصة تعيد إنتاج الأزمة السابقة بوجوه وشعارات جديدة.
من المهم الاعتراف بأن أي تسوية سياسية ستتعامل مع واقع معقد تتداخل فيه قوى ومصالح متعددة، مما يجعل الوصول إلى توافق بلا تنازلات متبادلة أمرًا غير واقعي. فالتوافق يجب أن يكون قائمة مشتركة تمنع أي صراع يتجاوز المسألة السياسية إلى صراع على وجود الدولة.
لكن البراغماتية لا تعني التسامح في إعادة تدوير النخب أو تحويل الهيئة التشريعية إلى مساحة لتقاسم النفوذ. إذ أن أي مؤسسة تنشأ من محاصصة مغلقة ستبقى أسيرة الأطراف التي أسستها، مما سيحد من قدرتها على التشريع والرقابة.
ويبرز دور المجلس التشريعي كمؤسسة أساسية ناتجة عن الحوار، إذ يعكس الفجوة التي خلقها غياب البرلمان منذ عام 2019، مما كرس اختلالاً في التوازن الدستوري، وترك القرارات المصيرية عُرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.
إن المجلس التشريعي يعد سندًا دستوريًا يمكن أن يوسع قاعدة المسؤولية الوطنية، ويضمن أن قضايا مثل السلام والتفاوض لا تُحتكر. لذا، من الضروري أن لا تتمحور شرعية المجلس حول عدد القوى الممثلة فيه فقط، بل تحتاج إلى معايير واضحة للتمثيل ومرجعية دستورية.
نجاح الحوار يتطلب خارطة طريق تربط بين التوافق السياسي واستعادة الأمن والسلام، مع تجنب السيناريوهات التي تؤدي إلى الجمود أو الانفضاض، حيث لا ينبغي أن يُقاس التوافق بتوزيع المقاعد بل بقدرته على إنتاج مشروع وطني يعلي من شأن الدولة ويجمع كافة السودانيين.
