تدخل الحرب الإثيوبية يومها الخامس والأربعين، وفقاً لرصد بدأ في 23 سبتمبر 2026، وسط تصاعد المواجهات في تيغراي وأمهرا، واتساع الاضطرابات الأمنية في أوروميا. تأتي هذه الأحداث بالتزامن مع تدهور العلاقات الإثيوبية السودانية والإريترية، بينما عادت مسألة الوصول إلى البحر الأحمر لتتصدر الخطاب السياسي الإثيوبي.
لم يعد المشهد مجرد مواجهة عسكرية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي، بل أصبح أزمة متعددة الجبهات تتداخل فيها الصراعات الإثنية والسياسية والعسكرية مع حسابات إقليمية تتجاوز حدود إثيوبيا.
شهدت منطقة أرسي الشرقية في إقليم أوروميا هجوماً مسلحاً أدى، وفق المعلومات المتداولة، إلى مقتل 34 مواطناً مسيحياً، مما يسلط الضوء على التدهور الأمني واستهداف المدنيين في المنطقة. تأتي هذه المجزرة ضمن سلسلة اعتداءات شهدتها أوروميا مؤخراً، حيث سقط فيها عشرات القتلى في هجمات استهدفت مدنيين من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية، مع اتهامات لجماعات مسلحة بالمسؤولية عن تلك الهجمات.
تتجاوز خطورة ما يحدث في أوروميا أعداد الضحايا، لتطال طبيعة الاستهداف واتساع دائرة العنف، مما يهدد التعايش المجتمعي ويضعف ثقة السكان في قدرة الحكومة الفيدرالية على تأمين الحماية.
تتجلى معضلة آبي أحمد في وجود عدة جبهات، حيث تواجه الحكومة تمرد فانو في أمهرا، إلى جانب ضرورة السيطرة على المشهد الأمني في أوروميا، مما يضاعف أعباء المؤسسة العسكرية والأمنية.
في الشمال، لا تزال المواجهة في تيغراي تشكل التحدي العسكري الأبرز، في ظل استمرار التحركات والاشتباكات في عدة محاور. في أمهرا، تستمر قوات فانو في الضغط على القوات الحكومية، مما يفتح جبهات استنزاف إضافية أمام الجيش الإثيوبي. ويتطلب ذلك من الحكومة توزيع قواتها وإمكاناتها بين عدة جبهات، مع تزايد الاحتياجات الأمنية داخل المدن.
على الصعيد السياسي، تحاول القوى المناوئة للحكومة إظهار مستوى أكبر من التنسيق تحت مظلة تحالف “التعاون من أجل البقاء”، مع عكس توجه لتجاوز المواجهات المنفصلة نحو تنسيق أوسع، رغم اختلاف خلفياتهم ومطالبهم.
أما في المتعلقة بالعلاقات مع السودان، فقد أبرز آبي أحمد، في خطاب له أمام البرلمان، أهمية حسن الجوار وعدم استغلال ظروف السودان، مشيراً إلى استمرار تصدير الكهرباء. لكن تظل التساؤلات قائمة حول مدى توافق التصريحات السياسية مع التحركات الفعلية على الأرض.
وصل التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا إلى مستوى إغلاق قنصليات متبادل، مما يعكس انتقال الخلاف من التصريحات إلى إجراءات دبلوماسية مباشرة. تتبادل الدولتان الاتهامات بشأن التدخل في الشؤون الداخلية، مما يهدد ما تبقى من الثقة.
تبقى مسألة الوصول إلى البحر الأحمر من أبرز العناصر الاستراتيجية لحكومة آبي أحمد، حيث تعتبر ضرورة اقتصادية لدولة تفتقر إلى منفذ بحري مباشر، لكن التوترات مع إريتريا والسودان تعقد هذا الملف.
تكشف حصيلة الأيام الخمسة والأربعين عن أربعة مسارات رئيسية تواجه حكومة آبي أحمد: استمرار المواجهات العسكرية في تيغراي وأمهرا، اتساع العنف في أوروميا، تنامي التنسيق بين القوى المناوئة، وتراجع الثقة مع السودان وإريتريا.
تضع هذه المؤشرات الحكومة الإثيوبية في معادلة صعبة، حيث تواجه تحديات لإدارة جبهات عسكرية وأمنية متزامنة، مع الحفاظ على تماسك النظام الفيدرالي وعلاقاتها الإقليمية. واستمرار تعدد الجبهات قد يرفع كلفة إدارة الدولة ويضعف قدرتها على احتواء الأزمات.
بالنسبة للسودان، تتطلب هذه التطورات تعزيز مراقبة الحدود ورفع مستوى الجاهزية الأمنية، مع ضرورة التنسيق مع مصر وإريتريا حول أمن الإقليم والبحر الأحمر. يجب أن ينظر السودان إلى الأوضاع في إثيوبيا باعتبارها تمس أمن حدوده ومصالحه في منطقة القرن الإفريقي.
