بين أحضان الإمارات ودموع دارفور.. دعوات الشعب السوداني التي تهز السماء

بين أحضان الإمارات ودموع دارفور.. دعوات الشعب السوداني التي تهز السماء
في شوارع دبي وأبوظبي، يمشي الآلاف من السودانيين بابتسامةٍ خجولة. أمهات يحملن أطفالهن إلى المدارس، شباب يعملون في المكاتب والمحلات، وعائلات كاملة هربت من جحيم الحرب. الإمارات فتحت لهم أبوابها: إعفاءات من الغرامات، تجديد إقامات “دول الحروب والكوارث” دون تعقيد، ومساعدات إنسانية تصل إلى ملايين الدولارات. هنا، يجدون الأمان الذي فقدوه في الخرطوم والفاشر وجنينة. هنا، لا قذائف، لا نهب، لا خوف من الموت كل ليلة.
لكن في المساجد، بعد كل صلاة، وفي بيوت النزوح، وفي رمضان خصوصاً.. يرتفع صوت آخر. صوت الدعاء. “اللهم إن الإمارات أذت شعبنا.. فأرنا فيها عجائب قدرتك”. “لا سلم الله الإمارات”. “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
خطباء يرفعون أيديهم في الجمعة، أمهات يبكين وهن يدعون على محمد بن زايد، ملايين السودانيين – في الداخل والخارج – يرددونها صباحاً ومساءً منذ ثلاث سنوات. دعوات خرجت من قلوب مكلومة، من أمهات فقدن أبناءهن في مجازر دارفور، من أطفال شهدوا حرق قراهم، من شباب رأوا أحلامهم تتحول إلى رماد.
ما الذي جعل “حبيبي تعال دبي” يتحول إلى “حبيبي قاطع دبي”؟ اتهامات ثقيلة تطارد الإمارات: دعم لمليشيا الدعم السريع بالسلاح والذهب عبر المنافذ، حسبما يردد السودانيون ويؤكده بعض التقارير والشهود. الجيش السوداني رفع قضية في محكمة العدل الدولية، والشعب قاطع، وصار رمضان موسم دعاء أكثر منه صيام. الإمارات تنفي بشدة، وترد بأنها تدعو لوقف إطلاق النار، وتستضيف مؤتمرات سلام، وترسل مساعدات إنسانية، وتؤكد أنها تريد حكومة مدنية للسودان الشقيق.
لكن الشعب السوداني.. لا يسمع الكلام الرسمي. يسمع صوت أطفاله الذين يموتون جوعاً. يرى دماء إخوانه في الشوارع. يحس بالخيانة من “أخ” عربي كان يُغنّى له “يا حبيبي”.
تخيّل معي أخاً سودانياً في الإمارات: يعمل نهاراً في مطعم دبي، يبتسم للزبائن، يرسل المال لأهله في معسكر نزوح. ثم يعود ليلاً إلى غرفته الصغيرة، يفتح فيديو لخطيب يدعو على الإمارات.. فيبكي. هو ممتن للأمان هنا.. لكنه يحس بالذنب لأنه “آمن” بينما وطنه يحترق. هذه هي الجرح الحقيقي: جرح التناقض.
دعوات الشعب السوداني ليست مجرد كلمات. هي صرخة ٤٥ مليون إنسان مظلوم، يؤمنون أن الله يسمع الدعاء من المضطهدين قبل كل شيء. هم يقولون: “إذا كانت الإمارات تحتضننا هنا.. فلماذا تدمّر وطننا هناك؟”
اللهم أعجل بالفرج للسودان. اللهم أرحم أرواح الشهداء، واجمع كلمة الشعب، وألهم كل طرف طريق السلام. اللهم إن كان في دعوات هؤلاء المظلومين حق.. فاستجبها برحمتك، وإن كان فيها ظلم.. فاغفر لنا جميعاً وأصلح بيننا.
السودان يبكي.. والإمارات تبتسم. لكن السماء.. تسمع الدعاء. والله أعلم بالحقيقة، وهو حسيب كل ظالم وملجأ كل مظلوم.










