مقالات الراى

عثمان ميرغني يكتب: مواطنون مع وقف التنفيذ..

تلقيتُ اتصالاً من مناطق حول مدينة “بارا” الجريحة. ظلّ أهلها تحت ظلال السيوف منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. تعرّضوا للأهوال على يد قوات التمرد، ولا يزالون. سفكت الدماء، وتشردوا، وقاسوا مختلف ضروب الانتهاكات.

لكن كل ذلك كوم، وكوم آخر مشكلة حقيقية باتت الآن تحكم الخناق حولهم وتقرر مصيرهم، وربما مصير أجيال قادمة.

المشكلة أن بناتهم وأبناءهم الذين كانوا على وشك دخول المدرسة، بعد بلوغهم السن القانونية للتعليم، تقترب أعمارهم الآن من 11 سنة وهم أميّون لا يقرأون ولا يكتبون، ولم يجلسوا يوماً واحداً على مقاعد الدراسة.

أما بناتهم وأولادهم الذين كانوا في مراحل تعليمية مختلفة، فقد توقف قطار تعليمهم لأكثر من ثلاث سنوات (وما يقارب الأربع)، مما يُخرجهم عملياً من المسار الأكاديمي ويحوّلهم إلى أنصاف متعلمين أو أقل.

بعبارة أخرى: أجيال كاملة — هي مستقبل هذا الوطن — باتت ضائعة تماماً. ويُنذر هذا الضياع بمآلات خطيرة عندما يكبر هؤلاء الشباب ويدركون حجم الفاجعة التي حلّت بهم، فيتحولون إلى باحثين بنهم عن الانتقام من وطن لم يمنحهم أدنى حقوقهم الإنسانية.

اتصل الأهالي بالمسؤولين في الدولة الشرعية التي يعرفونها، والتي تظل مسؤولة عنهم دستورياً ووطنياً وأخلاقياً. جاءهم الرد الصادم:

«أنتم خارج سلطة الدولة حالياً، لا حل لكم سوى النزوح إلى أقرب المناطق الخاضعة لسلطة الدولة».

بعبارة أخرى:

«سقطت عنكم المواطنة».

ويصبح السؤال المنطقي: إلى متى؟

سنة أخرى؟ ثلاث؟ خمس؟ عشر؟

لا إجابة.

لا أحد يملك الإجابة، والأصح أن لا أحد يرغب في البحث عنها.

أسوأ من الحرب أن لا يعرف المواطن السوداني متى يسترد مواطنته، ويتمتع بدولة كما يتمتع بها كل البشر على هذه الكرة الأرضية. أو على الأقل أن يعرف متى يحلم بأن تصبح له دولة.

السلام لم يعد مجرد شعار أو مبادرة أو خطاب سياسي. بل أصبح قراراً ومصيراً لملايين ينتظرون تقرير مصيرهم: أحياء هم.. أم أموات أحياء؟

من حق الدولة أن تستمر في خطاب التحشيد لمواجهة التمرد وإنهائه، لكن في المقابل: أين خطاب السلام؟

وأضعف الإيمان.. أن يستعيد هؤلاء الأطفال والشباب قدراً من الارتباط بالحياة باستعادة التعليم في كل المستويات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com