بين “التهريب المقنن” و”استيراد الظل”.. هل انهار الاقتصاد السوداني رسمياً تحت وطأة الجباية؟

في الوقت الذي يصارع فيه المواطن السوداني للبقاء على قيد الحياة، اشتعلت مواجهة علنية وحادة بين قطبين من أقطاب القطاع الخاص؛ حيث اتهم اتحاد الغرف الصناعية بعض المستوردين بممارسة “تهريب مقنن” عبر تلاعب ضخم في الفواتير (إدخال بضائع بـ 100 مليار وفلترتها جمركياً بـ 10 مليارات فقط). هذا الاتهام قوبل برد “عنيف” من رئيس غرفة المستوردين، الصادق جلال الدين، الذي وصف الادعاءات بـ “غير المسؤولة”، ملقياً بالقنبلة في ملعب الخصم عبر الكشف عن وجود “استيراد ظل” تديره عصابات إجرامية منظمة تستفيد من حالة الفوضى الأمنية لضرب الاقتصاد الوطني.
أرقام الصدمة: فجوة الدولار ومنحنى “الانهيار الجبائي”
وبعيداً عن السجال، تكشف الأرقام الرسمية عن كارثة هيكلية؛ فبينما رفعت الحكومة السعر الرسمي للدولار الجمركي في 11 مايو الجاري إلى 3,395 جنيه، لا يزال السوق الموازي يغرد بعيداً في مستويات تتراوح بين (4150 – 4300) جنيه. هذه الفجوة خلقت بيئة مثالية لنمو “اقتصاد الظل”، حيث يهرب الجميع من القنوات الرسمية. الأخطر من ذلك، هو ما كشفه جلال الدين عن ارتفاع إيرادات رسوم الإنتاج على الواردات بنسبة 1400% في عام 2025، مما يؤكد أن الدولة استعاضت عن “الإنتاج المفقود” بـ “الجباية المتوحشة”، وهو ما يحذر منه الخبراء وفق “منحنى لافر”؛ حيث يؤدي الإفراط في الضرائب إلى تشجيع التهريب وتناقص الإيرادات الكلية.
الانكماش الأعنف في التاريخ: السودان تحت وطأة “الاقتصاد الثنائي”
ويعيش السودان ما يسمى بـ “الاقتصاد ثنائي المسار”، وهو وضع يمزق النسيج المالي للدولة. فوفقاً لتقارير دولية، سجل السودان واحداً من أشد الانكماشات الاقتصادية في التاريخ الحديث، بنسبة 29.4% في 2023 و 14% إضافية في 2024. هذا الانهيار في الناتج المحلي جعل الاستيراد هو “الرئة الوحيدة” للسوق، مما منح المستوردين نفوذاً طاغياً أمام قطاع صناعي محلي متهالك ومنهك بسبب الحرب، لتبدو الدولة في النهاية وكأنها تعيش على “نزيف” جيوب مواطنيها لتعويض عجز موازنتها.
تهديد الأمن القومي: نظام (ACD) والسيادة المفقودة
ولم يتوقف الصراع عند الفواتير، بل امتد ليتناول نظام “الإقرار المسبق للشحنات” (ACD) الذي بدأ تطبيقه نهاية العام الماضي. وحذر المستوردون من أن هذا النظام قد يمنح جهات خارجية “مفاتيح” البيانات الاقتصادية السودانية، مما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الاقتصادي. وأشاروا إلى أن فرض رسوم جديدة بالدولار على هذا النظام هو عبء إضافي سيتحمله المواطن السوداني المنهك أصلاً، مما يزيد من تعقيد المشهد ويدفع نحو مزيد من الغلاء.
الخلاصة المريرة: صراع الكراسي على سطح “تيتانيك”
ويرى المحللون أن هذا الخلاف بين الغرفة الصناعية والتجارية يشبه الصراع على الكراسي فوق سطح سفينة توشك على الغرق. فبينما يتبادل الطرفان الاتهامات، قفزت معدلات الفقر المدقع من 23% في 2022 إلى رقم مرعب بلغ 59% في 2024. إن غياب السياسات الإنتاجية والاعتماد الكلي على الرسوم الجمركية والجبايات وضع السودان في “عنق الزجاجة”، مما يستدعي تدخلاً حازماً من الدولة لضبط إيقاع الاقتصاد الكلي ومنع انزلاقه إلى صراعات قطاعية قد تؤدي إلى انهيار ما تبقى من هيكل الدولة المالي.










