مقالات الراى
الحظر الأوروبي على شركات الطيران السودانية: ملفٌ مغلق آن الأوان لفتحه

منذ أكثر من عقد ونصف، ظلّ الحظر الأوروبي المفروض على شركات الطيران السودانية ملفًا مسكوتًا عنه، يتنقّل بين الإهمال والتبرير، دون أن يُفتح بوصفه قضية سلامة وطنية وسيادية تمس سمعة الدولة وموقعها في منظومة الطيران الدولي.
خلفية القرار
في 30 مارس 2010 أدرجت المفوضية الأوروبية جميع شركات الطيران الحاصلة على شهادات تشغيل سودانية ضمن القائمة الأوروبية للسلامة الجوية (EU Air Safety List)، ما ترتب عليه منع الطائرات السودانية من التحليق أو التشغيل داخل الأجواء الأوروبية أو إلى مطاراتها.
هذا القرار لم يكن عقوبة سياسية، ولا إجراءً استثنائيًا ضد السودان، بل جاء ضمن آلية أوروبية فنية صارمة تستند إلى تقييم مستوى السلامة الجوية والرقابة التنظيمية في الدول الأعضاء وغير الأعضاء على حد سواء.
جوهر المشكلة: الدولة لا الشركة
من المهم توضيح حقيقة غالبًا ما يُغفل عنها النقاش العام:
الحظر لا يستهدف شركة بعينها، بل يستهدف دولة التسجيل (State of Registry) وسلطة الطيران المدني فيها.
الأسباب التي استند إليها القرار الأوروبي تمثلت في:
• ضعف قدرة سلطة الطيران المدني السودانية على القيام بواجباتها الرقابية وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO).
• قصور في أنظمة الإشراف على السلامة، التفتيش، الاعتماد، والمتابعة.
• فجوات في تطبيق متطلبات أنظمة إدارة السلامة (SMS)، والصلاحية الجوية، وتدريب الكوادر.
• نتائج غير مرضية لتقييمات السلامة الدولية، سواء عبر برامج ICAO أو آليات التعاون الأوروبي.
أثر الحظر: خسائر تتجاوز التشغيل
استمرار الحظر يعني عمليًا:
• إقصاء السودان من أحد أهم أقاليم الطيران في العالم.
• إضعاف فرص الشراكات، التأجير، التأمين، والتمويل.
• تشويه السمعة الفنية للطيران السوداني، حتى في أسواق لا تطبق الحظر.
• تحويل الناقل الوطني – وأي ناقل سوداني – إلى كيان محاصر تشغيليًا واقتصاديًا.
لماذا يجب فتح الملف الآن؟
لأن تجاهله لم يعد خيارًا، ولأن:
• الحظر مرّ عليه أكثر من 15 عامًا دون خطة معالجة معلنة.
• دولًا أقل موارد من السودان نجحت في الخروج من القائمة عبر إصلاحات مؤسسية جادة.
• أي حديث عن إحياء سودانير أو بناء ناقل وطني قوي سيظل حديثًا نظريًا ما لم تُعالج جذور الخلل التنظيمي.
المعالجة ممكنة… لكنها تتطلب قرارًا
رفع الحظر ليس مستحيلاً، لكنه عملية دولة لا شركة، وتقوم على مسارات واضحة:
1. إصلاح مؤسسي حقيقي لسلطة الطيران المدني
• استعادة الاستقلالية المهنية.
• الفصل الصارم بين الدور الرقابي والدور التشغيلي.
• بناء جهاز تفتيش فعّال ومؤهل.
2. تنفيذ برنامج تصحيحي وطني (Corrective Action Plan)
• مستند إلى ملاحظات ICAO وEASA.
• بجدول زمني معلن ومؤشرات أداء واضحة.
3. إعادة بناء الثقة مع الاتحاد الأوروبي
• فتح قناة رسمية مع المفوضية الأوروبية وEASA.
• تقديم تقارير دورية موثقة عن التقدم المحرز.
• الاستعداد لبعثات التقييم والتدقيق الأوروبي.
4. إصلاح الشركات الوطنية بالتوازي
• تحديث الأساطيل وبرامج الصيانة.
• تطبيق أنظمة إدارة السلامة بشكل فعلي لا شكلي.
• الاستثمار في العنصر البشري والتدريب.
الخلاصة
الحظر الأوروبي ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الإصلاح. ورفعه لن يتحقق بالشعارات أو البيانات، بل بقرار شجاع يضع السلامة الجوية في صدارة الأولويات الوطنية.
فتح هذا الملف اليوم ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية، ومن دونه سيظل الطيران السوداني يدور في حلقة مفرغة، مهما تغيّرت الإدارات وتبدّلت الوعود.
الطريق إلى أوروبا يبدأ من داخل مؤسساتنا، لا من بوابات مطاراتها.
منذ تأسيسه، مرّ الطيران المدني السوداني بمحطات مفصلية تفاوت فيها الأداء بين فترات بناء مهني راسخ وأخرى اتسمت بالضعف الإداري والتخبط المؤسسي. وتُعدّ الفترتان اللتان تعاقبتا بقيادة اللواء أبو بكر جعفر، ثم المهندس محمد عبدالعزيز، من أكثر الفترات إضرارًا بالمسار المهني للطيران المدني، رغم ما صاحبهما من “إضاءات” إدارية محدودة ذات طابع شكلي.
في عهد اللواء أبو بكر جعفر، جرى تحويل المؤسسة من مصلحة حكومية إلى هيئة عامة ثم إلى سلطة، وهي تحولات تنظيمية مهمة من الناحية الشكلية، لكنها لم تُترجم إلى إنجاز مهني حقيقي. لم تتطور منظومة السلامة الجوية، ولم يتم تحديث البنية التحتية، كما لم يُستثمر رأس المال البشري بشكل فعّال. ومع غياب الرؤية الاستراتيجية، ظل الإصلاح محصورًا في الهياكل الشكلية، دون أي أثر ملموس على الأداء الفني أو السلامة.
وتزامنت هذه المرحلة مع الحظر الأمريكي المفروض على السودان لأسباب سياسية، وهو حظر أثّر على قطاع يعتمد أساسًا على التكنولوجيا الغربية المتقدمة في الطائرات وأنظمة الملاحة والمعينات الفنية والتدريب. غير أن الإخفاق لم يكن في الحظر ذاته، بل في كيفية إدارة الأزمة، إذ غابت الاستراتيجيات البديلة والشراكات الفنية المدروسة.
في هذا السياق، اتجهت الدولة شرقًا نحو منتجات الاتحاد السوفيتي السابق، سواء في الطائرات أو المعدات، دون خطة تكاملية تراعي متطلبات الإيكاو أو قابلية اندماج هذه الأنظمة في المنظومة الدولية. فجاءت الحلول جزئية، ضعيفة الاستدامة، وأثقلت كاهل التشغيل والصيانة، بدل أن تشكّل مخرجًا آمنًا من قيود الحظر.
ومن نتائج هذا التوجه، وغياب التقييم الشامل للمخاطر، وقوع سلسلة من الكوارث والحوادث الجوية التي رفعت سجل السلامة السوداني إلى مستويات متدنية، ما أدى إلى فقدان الثقة الدولية وفرض حظر جوي شامل من قبل المفوضية الأوروبية، في إجراء مهني صارم يعكس إخفاق المنظومة في حماية السلامة، ولم يكن مجرد عقوبة سياسية.
أما الإدارة التي أعقبت اللواء جعفر بقيادة المهندس محمد عبدالعزيز، القادم من شركة جياد دون تخصص مهني في الطيران، فقد عمّقت الاختلالات وأدخلت الطيران المدني في طور أكثر تعقيدًا. يمكن تقسيم فترة عبدالعزيز إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: ما قبل حادثة طائرة تلودي المأساوية، التي أودت بحياة مسؤولين كبار وأرغمته على تقديم استقالته. ورغم اصطحابه طاقمًا معاونا لبنانيًا، لم تشهد الإدارة أي إشراقات مهنية، وتركزت التغييرات في تبديلات مواقع وتمكين معاشيي سلاح الطيران والجيش، ما حول الطيران المدني إلى “ميكنة عسكرية” تُدار بعقلية الانضباط العسكري لا المنهج الفني. وتم تعيين الفريق يوسف نائبًا له، واللواء باجوري مديرًا للملاحة، والعميد الكناني مسؤولًا إداريًا، مع تركز عدد كبير من مهندسي القوات الجوية في دائرة السلامة، ما اختل التوازن المهني وأضعف استقلالية القرار الفني.
المرحلة الثانية: بعد حادثة تلودي ورفض الاستقالة، شكلت ما يمكن وصفه بـ wake-up call. تدخل رأس الدولة لإعادة الاعتبار لبعض الكفاءات المفصولة، واستعان عبدالعزيز بخبراء أجانب مثل الكابتن هايلي في دائرة السلامة، في محاولة لمعالجة التدهور في سجل السلامة. غير أن هذه المحاولات جاءت متأخرة ومجزأة، إذ شرع عبدالعزيز في تقطيع أوصال الطيران المدني عبر تقسيم غير ملزم بين ما هو تشغيلي وما هو سيادي، دون إطار قانوني واضح، ما أفرز مزيدًا من التشظي المؤسسي وتداخل الصلاحيات وضعف التنسيق.
وخلال هذه الفترة، خضع الطيران المدني السوداني لتدقيق صارم في الإشراف والرقابة (Oversight Audit)، ما وضع الدولة تحت ميكروسكوب مهني دقيق يراقب كل الإخفاقات. كشف هذا التدقيق حجم القصور في الإطار التشريعي والتنظيمي، ضعف استقلالية السلطة الرقابية، نقص الكفاءات، وتداخل الصلاحيات، إلا أن أهميته تعرّضت للتقليل بسبب تعامل بعض عناصر الطيران المدني في المستويات العليا والمتوسطة بطريقة غير جادة، مليئة بالثغرات، والممارسات الشكلية أو ما يمكن تسميته بـ “الطبخ الإداري (Cooking)”، بهدف المرور والتفادي دون تطبيق فعلي للمعايير.
وفوق كل ذلك، لم تُولِ الإدارتان التدريب والتأهيل، ولا سياسات الإحلال وتجديد الكوادر المهنية، الاهتمام الكافي. غابت البرامج التدريبية المنتظمة، والمسارات الوظيفية الواضحة، وخطط الإحلال لضمان نقل المعرفة بين الأجيال. ومع تقادم الكوادر وهجرة عدد معتبر من الخبراء، نشأت فجوات مهنية حرجة في مواقع حساسة.
وهكذا تضافرت إصلاحات شكلية، واختيارات تقنية غير مواءمة، وإدارة غير متخصصة، وإهمال للموارد البشرية، لتنتج بيئة تشغيل هشة عاجزة عن تلبية متطلبات السلامة والرقابة الدولية. وهو درس تاريخي بالغ الأهمية، يؤكد أن الطيران المدني لا يُدار بالشعارات والتحولات الشكلية، بل برؤية مهنية متكاملة تضع السلامة أولًا، وتستثمر في الإنسان قبل المعدة، وتتعامل مع الأزمات بجدية، لا بالتمرير الشكلية.
إن استحضار هذه التجربة ليس من باب جلد الذات، بل لاستخلاص العبر، خاصة في سياق إعادة بناء قطاع الطيران المدني السوداني بعد الحرب، على أسس مهنية تتوافق مع معايير الإيكاو وتستعيد الثقة الدولية والإقليمية المفقودة.








