اخبار

مسيرات المليشيا تحول نهار الأبيض وليليها إلى جحيم مستمر والأمطار تتدخل لإنقاذ المدينة من العطش

كشف شهود عيان من قلب مدينة الأبيض لحاضرة ولاية شمال كردفان عن وضع مأساوي ومرعب تعيشه المدينة جراء الهجمات المتواصلة والتي تنفذها الطائرات المسيرة التابعة لمليشيا الدعم السريع، حيث باتت تلك الطائرات تتناوب على قصف الأحياء السكنية والمنشآت الحيوية والخدمية صباحاً ومساءً بشكل ممنهج. وأفاد السكان لمنصة “راديو دبنقا” بأن دوي الانفجارات يبدأ في بعض الأيام منذ العاشرة صباحاً، ليعود في جولات ليلية مرعبة تمتد من الحادية عشرة مساءً وحتى الساعات الأولى من الفجر، مما نشر حالة من الذعر والهلع الدائم بين المواطنين، وتسبب في سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، فضلاً عن تعميق الأزمات المعيشية الطاحنة التي تضرب المدينة في مقتل وتستهدف مقومات الحياة الأساسية.

 

وتعمدت هذه المقذوفات الصاروخية استهداف مواقع مدنية وتعليمية حساسة، حيث شهدت الساعات الماضية فاجعة جديدة إثر سقوط شظايا صاروخ أطلقته مسيرة استهدف محيط مدرسة “الجيل الرائد” الخاصة للبنات، مما أسفر عن إصابة 8 طالبات جرى نقلهن على عجل للمستشفى، وتكرر المشهد الإجرامي بالقرب من مدرستي يثرب ودار الفكر، بجانب قصف طال دار المحامين ومواقع خدمية أخرى. ولم تتوقف الهجمات عند هذا الحد، بل طالت محطات الوقود بصورة مباشرة، وحتى تناكر الصرف الصحي لم تسلم من القصف بعد الاشتباه في استخدامها لنقل المحروقات، مما أدى لمقتل ثلاثة أشخاص وتدمير المنشآت، وهو ما يكشف رغبة واضحة في شل الحياة العامة وقطع الإمدادات الحيوية عن المواطنين العزل داخل المدينة المحاصرة.

 

هذا الاستهداف المركز لمحطات الوقود ألقى بظلاله القاتمة فوراً على الأسواق، مسبباً قفزة جنونية في أسعار الوقود بالسوق السوداء؛ حيث تراوح سعر جالون البنزين بين 150 و160 ألف جنيه، بينما تأرجح جالون الجازولين بين 75 و90 ألف جنيه، مما انعكس سلباً على قطاع المواصلات الداخلية التي تراجعت خدماتها بشكل مخيف وارتفعت تعريفتها بشكل لا يطيقه المواطن، ليصبح “التكتك” وسيلة التنقل الوحيدة والاضطرارية في معظم الأحياء. وامتدت آثار انعدام الجازولين لتضرب قطاع المخابز وتجبر بعضها على الإغلاق التام، مما رفع تكلفة إنتاج الخبز لتصل أسعاره إلى أرقام فلكية، حيث تباع 3 أو 4 قطع فقط بمبلغ ألف جنيه في مفارقة تعكس حجم الضغط الاقتصادي الممارس على السكان.

 

وفي المقابل، ومن رحم المعاناة والظلام الناتجة عن انقطاع الكهرباء وشح مياه الشرب التي وصل سعر البرميل غير الصالح منها إلى 25 ألف جنيه والجركانة إلى 5 آلاف، عاشت الأبيض ليلة مغايرة حملت ملامح الفرج الإلهي، بعد أن استقبلت المدينة أمطاراً غزيرة أنعشت الآمال وخففت مؤقتاً من حدة العطش. وخرج المواطنون إلى الشوارع مستبشرين، حاملين الأواني والجرادل والخزانات المنزلية لجمع مياه الأمطار في مشهد جسد حجم المأساة السابقة، وتداول الناشطون عبر المنصات تعليقات ساخرة وقصصاً طريفة حول الكساد المفاجئ الذي ضرب أصحاب عربات مياه “الكوارو” الذين كانوا يستغلون الأزمة، معبرين عن فرحتهم بهذا الفرج الرباني الذي جاء ليغسل مؤقتاً أحزان المدينة ويداوي جراحها وسط حصار النار والمسيرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com