السودان وإفريقيا: آفاق جديدة بعد الحرب

أجرى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان اتصالاً هاتفياً مع رئيس جمهورية بوروندي ورئيس الاتحاد الإفريقي إيفاريست ندايشيميي، حيث تحمل المحادثة دلالات هامة تتجاوز دعم مبادرة الحوار السوداني-السوداني، لتعيد قراءة موقع السودان في محيطه الإفريقي بعد الحرب التي أضعفت حضوره السياسي والاقتصادي.
أشاد رئيس الاتحاد الإفريقي بجهود الحكومة السودانية في تهيئة بيئة الحوار، منوهاً إلى أن الأزمة السودانية تُعتبر قضية إفريقية بامتياز، وأن استقرار السودان يرتبط بشكل وثيق بأمن القارة الإفريقية.
السودان ليس دولة هامشية في استراتيجية القارة، بل إن موقعه الجغرافي يجعله جسراً مهماً بين مناطق القرن الإفريقي وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل والبحر الأحمر، حيث يحده سبع دول، مما يعزز أهميته الاستراتيجية.
يتوجب على مستقبل العلاقات السودانية الإفريقية بعد الحرب أن يبنى على رؤية جديدة تغطي المصالح المشتركة بدلاً من ردود الفعل السياسية. فقد أظهرت الحرب أن الأزمات الداخلية يمكن أن تتحول إلى قضايا عابرة للحدود، بينما يمتلك استقرار السودان القدرة على تعزيز الأمن في المحيط الإفريقي.
خلال المرحلة المقبلة، يجب على السودان الانتقال من دبلوماسية الشرح للأزمات إلى دبلوماسية تقوم على صناعة المصالح، ما يتطلب إعادة بناء العلاقات مع دول الجوار الإفريقي وتعزيز التعاون مع دول القرن الإفريقي وحوض النيل، والانفتاح على دول غرب ووسط إفريقيا.
يمكن أن يلعب الاتحاد الإفريقي دوراً محورياً في مرحلة ما بعد الحرب في مجالات السلام، وإعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، ودعم الاستقرار، مما يساعد في استعادة السودان لدوره الفاعل في المنظومة الإفريقية.
من الضروري أن يُنظر إلى الاتحاد الإفريقي كفضاء استراتيجي تُعاد فيه ترسيخ علاقات السودان، بدلاً من اعتباره جهة ضغط أو وساطة فقط.
إذا كانت الحرب قد أضعفت الاقتصاد السوداني، فإن الفترة التالية تشكل فرصة لإعادة بناء العلاقات الإفريقية عبر مشاريع شراكة إنتاجية في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والنقل والطاقة، وتعزيز الروابط الاقتصادية.
يمثل البحر الأحمر أحد أهم الدوائر في السياسة الخارجية السودانية، حيث يوفر فرصة لتعاون أكبر مع دول القرن الإفريقي في مجالات أمن البحر الأحمر وتجديد النشاط التجاري.
السؤال الحقيقي يتعلق بكيفية عودة السودان إلى إفريقيا: هل سيكون ذلك بصورة شكلية أم عبر استراتيجية متكاملة تتضمن رؤية واضحة وفعّالة للمساهمة في علاج قضايا القارة؟
يمكن تصور العلاقات السودانية الإفريقية المستقبلية ضمن ثلاثة مسارات: الأول هو الاستعادة، والثاني الشراكة، والثالث القيادة الإقليمية، يتطلب ذلك وقف النزاع وبناء السلام والتوافق الوطني.
تحمل الرسالة التي نقلها الاتصال بين الخرطوم وبوجمبورا أن إفريقيا لا تزال تعتبر السودان جزءاً أصيلاً من منظومتها، وأن باب العودة لم يُغلق. لكنه يتعين على السودان أن يتحرك بسرعة، فلا وقت للانتظار.
يجب أن تكون عودة السودان إلى إفريقيا مشروطة برؤية جديدة تعزز من انفتاحه على محيطه، وتمكنه من حماية مصالحه، وتقديم مساهمات فعلية في صناعة مستقبل القارة.
يتطلب ذلك شراكات استراتيجية ترتكز على السلام والمصالح والتنمية.











