من يملك أرض مطار الخرطوم؟ قراءة قانونية لآخر التطورات

نزاع ملكية أرض مطار الخرطوم: جدل قديم يعود في توقيت حساس.. سودانير والطيران المدني على طرفي نقيض
الخرطوم – خاص
في الأيام الأخيرة، عاد الحديث عن ملكية أرض مطار الخرطوم الدولي ليتصدر النقاشات في الشارع السوداني والفضاء الافتراضي. القصة بدأت بقرار إداري عادي نسبياً: إخلاء مستأجري أراضي المخازن والبضائع في المنطقة الغربية للمطار خلال مهلة سبعة أيام فقط. لكن القرار سرعان ما تحول إلى جدل واسع حول أصل الملكية نفسها، وامتزج فيه التاريخ بالعاطفة، والرواية بالمستند.
السؤال الذي يتداوله الناس الآن ليس “مين صاحب الأرض؟”، بل “ليه الزوبعة دي طلعت بالذات في الوقت ده؟”
سبب التوقيت: قرار إخلاء يمس مصالح قائمة
إدارة مطار الخرطوم الدولي، التابعة لهيئة الطيران المدني، أصدرت تعميماً يطالب المستأجرين بإخلاء الأراضي المستخدمة للمخازن والبضائع. القرار أثار استياءً واسعاً بين المستأجرين الذين يعملون في الموقع منذ سنوات طويلة، خاصة أن المهلة القصيرة جداً (أسبوع واحد بس) خلّت الكثيرين يشعرون بأن الأمر “ظلم باين”.
في ظل محدودية الطرق الإدارية والقانونية للطعن، لجأ بعض المتضررين ومن يساندهم إلى استدعاء رواية قديمة تقول إن الأرض أصلاً ملك للخطوط الجوية السودانية (سودانير)، وليست ملكاً للدولة.
الروايتان المتداولتان في الشارع السوداني
- رواية منسوبي سودانير يقول بعض موظفي وعاملي سودانير السابقين والحاليين إن أرض المطار كانت ملكاً للشركة منذ تأسيسها، وبعضهم ذهب أبعد من كده وقال إنها “أرض وقف” تبرع بها المغفور له عبد المنعم محمد – رجل البر والإحسان المعروف – خصيصاً لصالح الشركة. الرواية دي بتلاقي صدى عاطفي كبير، خاصة أن سودانير رمز وطني عزيز على قلوب السودانيين.
- رواية هيئة الطيران المدني الجهة الرسمية تؤكد، مستندة إلى وثائق مسجلة، أن الأرض مملوكة للدولة منذ البداية ومخصصة كمرفق سيادي للطيران المدني. سودانير كانت مجرد مستخدم رئيسي للمطار، وليست مالكة له. ولم يُقدَّم حتى الآن أي مستند رسمي يثبت وجود وقف أو ملكية خاصة للشركة.
القراءة القانونية: المطارات مرافق سيادية
من الناحية القانونية والمهنية، المطارات الدولية في كل العالم – ومن ضمنها السودان – تُعتبر مرافق سيادية تابعة للدولة، وليست ملكاً لشركات الطيران، حتى لو كانت الشركة الوطنية. الناقل الوطني (زي سودانير زمان) يستخدم المطار، لكنه لا يملكه.
أما مسألة “الوقف”، فالوقف لا يثبت بالكلام والروايات، لازم يكون في حجة وقف مسجلة رسمياً ومسار قانوني واضح. وحتى لو افترضنا وجود تبرع تاريخي، فإنشاء مطار دولي على الأرض يجعلها تلقائياً تحت ولاية الدولة.
المخاطر: من خلاف إداري إلى أزمة سيادية
الخطورة في الموضوع ده إنه يحوّل خلاف إداري بسيط حول الإيجارات والإخلاء إلى نقاش يمس السيادة الوطنية وبوابة السودان الجوية. فتح ملف ملكية مطار دولي بهذه الطريقة قد:
- يهز الاستقرار القانوني للمرفق
- يربك المستثمرين والشركاء الدوليين
- يرسل رسائل سلبية لمنظمات الطيران المدني العالمية مثل الإيكاو (ICAO)
الخلاصة: الحل في القانون والشفافية
الحقيقة القانونية الراجحة إن أرض مطار الخرطوم مملوكة للدولة ومخصصة للطيران المدني. سودانير كيان وطني عريق يستحق الدعم والإصلاح، لكن الدفاع عنه لا يكون بخلط الأوراق بين الملكية السيادية والمصالح التشغيلية.
لو في اعتراض على قرارات الإخلاء، الطريق معروف: اللجوء للقضاء والإجراءات الرسمية بكل شفافية. أما استدعاء روايات غير موثقة في توقيت زي ده، فما بيخدم لا سودانير ولا المستأجرين، وبيزيد الطين بلة على مرفق يمثل وجه السودان للعالم كله.







