بين نفي مجلس السيادة وإصرار الصحافة البريطانية.. هل كشفت “كواليس المكالمة المسربة” شروط البرهان للتفاوض مع الإمارات؟

شهدت الأوساط السياسية والدبلوماسية في الساعات الماضية خطوط مواجهة ساخنة وسجالاً لافتاً، إثر صدور تقرير صحفي مثير للجدل نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني (Middle East Eye). ونُسبت في التقرير تصريحات مباشرة لقائد القوات المسلحة السودانية ورئيس المجلس السيادي الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أبدى فيها استعداداً مشروطاً للحوار مع دولة الإمارات العربية المتحدة، قائلاً: “نحن على استعداد للدخول في محادثات سلام مع الإمارات، لكن يجب أن تُجرى وفقاً لشروط السودان واحترام وحدته، وفي مقدمتها إنهاء دعم أبوظبي للمليشيا”. ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى سارع المكتب الإعلامي للمجلس السيادي إلى إصدار بيان حازم، ينفي فيه صحة هذه التصريحات جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن البرهان “لم يُدلِ بأي تصريحات لأي وسيلة إعلامية محلية أو دولية في الآونة الأخيرة”.
تحدي المنصة البريطانية: “لدينا أدلة قطعية ومترجم البرهان اعتمد الاقتباسات”
وفي خطوة تعكس تمسك الموقع البريطاني بمهنيته وتحديه المباشر للبيان الرسمي السوداني، قام حساب “ميدل إيست آي” على منصة “إكس” بإعادة نشر التقرير مجدداً بعد ساعات من النفي الحكومي. وتلا ذلك خروج الكاتب المشارك في التقرير، الصحفي الاستقصائي إياد هشام، بتوضيح حاسم ومطول عبر صفحته الرسمية، كشف فيه كواليس وخلفيات إعداد الحوار المثير للجدل. وقال هشام في رده المباشر على مجلس السيادة: “المكالمة الهاتفية جرت مباشرة بين هيئة تحرير الموقع والجنرال برهان، وبحضور أحد أعضاء مكتبه الذي تولى مهمة الترجمة طوال المحادثة. ولم نكتفِ بذلك، بل أُعيد إرسال الاقتباسات عبر المترجم نفسه إلى البرهان للتحقق منها، وتلقينا تأكيداً رسمياً بالموافقة، وعندها فقط أُدرجت في التقرير”. وأضاف حاسماً الأزمة: “إذا كان البرهان قد غيّر موقفه الآن فهذه مسؤوليته وليست مسؤوليتنا.. التصريحات دقيقة، موثقة، ومعتمدة”.
كواليس الوساطة البحرينية: قناة اتصال سرية وجهود لتخفيف الاحتقان
وخلف السجال الإعلامي، كشف التقرير الذي أعده الصحفيان إياد هشام وأوسكار ريكيت، معلومات استخباراتية تفيد بأن زيارة عبد الفتاح البرهان الأخيرة إلى المنامة جاءت في إطار جهود حثيثة تبذلها مملكة البحرين للتوسط وإقامة قناة اتصال غير رسمية بين الخرطوم وأبوظبي. وأكدت مصادر سودانية مقربة من البرهان وأربعة مصادر دبلوماسية أوروبية مطلعة، أن العلاقات السياسية الوثيقة بين البحرين والإمارات، وقدرة المنامة على نقل الرسائل الحساسة بين الطرفين، جعلتها مرشحة لقيادة هذه المحاولة التوفيقية لإنهاء حالة العداء العلني، بالتزامن مع تزايد التفاؤل في الخرطوم بأن الإمارات قد تقلل أو توقف دعمها لقوات الدعم السريع إثر موجة الانشقاقات الكبرى الأخيرة لقادة ميدانيين مثل “السافنا”، والذين أكدوا جميعاً ارتهان المليشيا الكامل للدعم العسكري الإماراتي عبر تشاد وإثيوبيا.
التاريخ السري للمفاوضات المنهارة: من “مكالمة آبي أحمد” إلى صدام واشنطن
ووفقاً للمصادر الدبلوماسية، لم تكن وساطة البحرين المحاولة الأولى؛ حيث شهدت السنوات الماضية عدة محاولات لإقامة اتصال مباشر بين الجيش السوداني وأبوظبي؛ أبرزها في يوليو 2024 حينما سهّل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مكالمة هاتفية مباشرة بين البرهان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد. كما تكشف المصادر عن كواليس اجتماع عاصف وسري عُقد العام الماضي في واشنطن برعاية “الآلية الرباعية” (أمريكا، السعودية، الإمارات، بريطانيا)، جمع ممثلين عسكريين سودانيين بوفد إماراتي رفيع برئاسة وزير الدولة بوزارة الخارجية شخبوط بن نهيان. وبحسب الدبلوماسيين، انهار الاجتماع فوراً بعد دقائق من بدوئه عقب تقديم الوفد السوداني أدلة قطعية (صور أقمار صناعية، أرقام تسلسلية لأسلحة، وتتبع رحلات طيران) تثبت الدعم اللوجستي الإماراتي لقوات الدعم السريع، وهو ما دفع الوفد الإماراتي لإنهاء الجلسة غاضباً واصفاً إياها بـ “الاتهامات التي لا أساس لها والدعاية المتعمدة”.
المناورة الجيوسياسية: هواجس أبوظبي وتحركات السعودية لكسر النفوذ
وتتجاوز الأزمة حدود السودان لتصل إلى صراع نفوذ خليجي صامت؛ حيث يشير دبلوماسي إقليمي إلى أن أبوظبي لا تزال تشكك في القيادة العسكرية السودانية، بداعي وقوع الجيش تحت تأثير شبكات إسلامية وتحالفه المتنامي مع إيران. لذا، كانت جولة البرهان الأخيرة (البحرين، عمان، السعودية) بمثابة رسالة جيوسياسية تؤكد أن الخرطوم لا تنحاز للمحور الإيراني. وفي المقابل، تكثف المملكة العربية السعودية جهودها لتشكيل المشهد السياسي المدني والعسكري في السودان لمواجهة النفوذ الإماراتي المتزايد. وكشفت المصادر أن الرياض استضافت لقاءات سرية مكثفة مع قوى مدنية سودانية، من بينها تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، والكتلة الديمقراطية، لبناء تحالف سياسي عريض متحالف مع إدارة البرهان، وسط إعراب المسؤولين السعوديين سراً عن استيائهم من الاعتماد المفرط سابقاً على “المشورة الإماراتية” في ملف السودان بعد ثورة 2019، معتبرين أن ذلك النهج ساهم في تعميق عدم الاستقرار بدلاً من احتوائه.











