ما وراء كواليس “الانقسام المالي”.. كيف حوّلت الحرب الدورة النقدية في السودان إلى اقتصادين وأسعار صرف متناقضة؟

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور وائل فهمي أن كافة الحزم والإجراءات الإدارية والنقدية التقليدية التي تحاول السلطات المالية والبنك المركزي تطبيقها مؤخراً، لن تفلح مطلقاً في كبح جماح التدهور التاريخي المستمر للجنيه السوداني في السوق الموازية. وأوضح في مقابلة خاصة مع “راديو دبنقا” أن السياسات الأخيرة التي شملت رفع السعر التأشيري للدولار الجمركي بنسب متتالية، وحظر استيراد قائمة طويلة من السلع، جاءت بلا نتائج ملموسة ولم توقف هبوط العملة الوطنية؛ نظراً لأن جوهر الأزمة لا يكمن في المسكنات الإدارية أو الملاحقات الأمنية، بل يعود مباشرة إلى التدمير الشامل والممنهج للقطاع الإنتاجي الزراعي والصناعي، والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد لتغطية الحاجات الأساسية، مما أدى إلى تجفيف منابع النقد الأجنبي الشحيحة أصلاً وتراجع الصادرات الرسمية إلى مستويات قياسية في ظل استمرار اقتصاد الحرب.
وفكك الخبير الاقتصادي التناقض الظاهري المحير بين البيانات الرسمية التي تدعي انخفاض معدلات التضخم، وبين الواقع المعيشي الكارثي والارتفاع الجنوني المستمر لأسعار السلع على أرض الواقع. وأشار إلى أن هذا الانخفاض المزعوم في التضخم ما هو إلا مؤشر رقمي مضلل ناتج عن ركود الأسواق والضعف الحاد للقوة الشرائية للمواطنين، مما أجبر التجار على إبطاء وتيرة رفع الأسعار نتيجة ضعف الطلب وليس بسبب وفرة السلع أو تحسن الاقتصاد، فضلاً عن الاعتماد على “سنة الأساس” في المقارنات وصعوبة جمع البيانات الدقيقة من الولايات التي تشهد عمليات عسكرية نشطة. ووصف العلاقة بين الدولار الجمركي وتدهور الجنيه بالحلقة المفرغة والمدمرة؛ إذ إن رفع الجمرك يزيد تكاليف الاستيراد فوراً، مما يدفع التجار والمستوردين للهروب نحو السوق الموازية لطلب الدولار الحر، وهو ما يرفع سعره مجدداً ويضعف الجنيه، لتجد الحكومة نفسها مضطرة لرفع السعر الجمركي مرة أخرى لتغطية عجزها المالي.
وفي تحليل لافت ومثير للاختلاف الصارخ في أسعار الصرف بين المدن السودانية، حيث يسجل الدولار نحو 3600 جنيه في نيالا بدارفور مقابل تخطيه حاجز 5500 جنيه في بورتسودان والخرطوم، أرجع الدكتور وائل فهمي هذا التباين الجغرافي الصادم إلى الانقسام الهيكلي التام في الدورة النقدية وظهور “أسواق معزولة ومحاصرة” نتيجة الواقع العسكري المفروض على الأرض. وأوضح أن العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان تشهد ضغطاً هائلاً وتركيزاً كثيفاً لطلب العملة الصعبة باعتبارها المنفذ البحري والشرعي الوحيد المتبقي لتمويل كافة الواردات الحكومية والتجارية الاستراتيجية من وقود وأغذية وأدوية، فضلاً عن الاحتياجات اللوجستية للدولة. وفي المقابل، باتت مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في الغرب تعتمد كلياً على “اقتصاد الظل” وخطوط إمداد بديلة عابرة للحدود البرية مع تشاد وليبيا وإفريقيا الوسطى، متجاوزة الدورة البنكية التقليدية، تزامناً مع توقف الاستيراد الضخم وشح السيولة الحاد بالعملة المحلية في تلك الأنحاء، مما خلق دورتين ماليتين منفصلتين تماماً داخل البلد الواحد لا يمكن معالجتهما إلا باستعادة الإنتاج الحقيقي الشامل.











